في الحاجة إلى مفهوم التقدم
منذ عصر النهضة العربية حظي مفهوم التقدم بمكانة مركزية في النقد الاجتماعي، النهضة التي صاغت سؤالها المركزي بالإحالة إليه، لماذا تقدم الغرب وتأخر المسلمون؟ غير أن ضبط المفهوم وتأكيد محوريته تحقق لاحقاً مع حركات التحرر الوطني والحركات اليسارية التي جعلت من التقدم لاهوتاً قائماً بذاته، وذلك بالاعتماد على ايديولوجيات القرن التاسع عشر التي جعلت من التقدم مساراً اجباريا للبشرية. لم يكن، خلال هذه الفترة، من معنى للنقد الاجتماعي بدون الاتكاء على فكرة التقدم، فالنقد تم باسم مسيرة التاريخ والمستقبل الأفضل الذي يراكم على ما هو قائم حالياً والأفضل -بدوره- مما سبق، سواء كان هذا النقد باسم حقوق المرأة أو الديمقراطية أو المساواة والعدالة أو حرية الشعوب.
لاحقاً حصل تحول هائل فيما يخص مكانة مفهوم التقدم، تحول يجد تبريره في مآسي القرن العشرين وفشل وعود التقدم. فظهرت تيارات ترى في مفهوم التقدم ايديولوجيا وأداة هيمنة وسيطرة. لم يكن نقد التقدم بحد ذاته شأناً حديثاً، فقد سبق وظهر مع الرومانسية التي استعاد نقدُ التقدم المعاصر العديد من أفكارها. فنشأت تيارات متنوعة معنية حصراً بنقد التقدم، وقد حاول بعضها تقديم نقد اجتماعي متحرر من مفهوم التقدم، فيجمع بين النقد الاجتماعي ورفض التقدم.
السؤال الذي يعنينا هنا، وبتجاهل التيارات المبنية حصراً على نقد التقدم، هو: هل يمكن القيام بنقد اجتماعي -مثل نقد الرأسمالية أو وضع السلطة والبنية البطريركية أو عدم المساواة والاستبداد- يؤسس لفعل إيجابي بدون مفهوم التقدم؟ أو بتعبير آخر ما الذي يترتب على مثل هذا النقد الاجتماعي المتخلي عن "التقدم"؟
الإجابة ستكون بالنفي، فلا يمكن القيام بمثل هذا النقد إن تخلينا عن مفهوم التقدم. يكمن السبب في أننا نفقد عندها أي تصور بصدد المعيار الذي نستعين به في النقد، فبغياب أي معيار -وهو ما يتيحه لنا مفهوم التقدم- تبدو جميع الأشياء سواء، فتظهر السلطة والهيمنة ملتبسة في كل موقف أو إدعاء. المعيار الوحيد الذي نملكه، في حال تخلينا عن مفهوم التقدم، هو الماضي. عندها يبدو كل نقد اجتماعي بمثابة صورة عن النقد الرومانسي مستعيداً أشكالاً متخيلة ومتوهمة عن الحياة والطبيعة ليضعها في مواجهة الحداثة، أشكال لم توجد حقيقة في الماضي ولكن بُنيت من داخل الايديولوجيا بوصفها أنماط حياة مضادة للحداثة. فيصبح لدينا القرية المثالية والجماعة المثالية والدولة الاسلامية المثالية والتعايش المثالي للمذاهب والجماعات المختلفة، بحيث تُقدم وكأنها شكل الحياة الذي رضي به الجميع وتمتعوا بفضله بأفضل الأوضاع. قد لا يتبنى جميع النقاد مثل هذا الموقف، لكن بتخليهم عن مفهوم التقدم فإنهم لا يملكون أية حصانة في مواجهة مثل التوظيفات للنقد. وأفضل ما هو متاح لهم عندها هو الصمت وعدم قول أي شيء، بمعنى آخر أن يكتفوا بالنقد والتحطيم، وهو ما كان واضحاً لدى ميشيل فوكو. التحدي الآخر الذي سيواجهونه هو النماذج المضادة القائمة في الحاضر مثل بوتين وأوربان وخامنئي وغيرهم، حيث يجعلنا نقد الديمقراطية الليبرالية المقطوع عن مفهوم التقدم عراة أمام هذه النماذج السلطوية. حيث يمكن لهؤلاء أن يرفعوا شعار الخصوصية الثقافية والحضارية والنسبية الأخلاقية في مواجهة التقدم الإنساني، الذي يعايرونه بوصفه مجرد أداة في يد الامبريالية والهيمنة الغربية. بالقطع التام مع فكرة التقدم فإنه لا يوجد رد تجاه هذه التحديات.
بالمقابل لا يمكن استعادة مفهوم التقدم وكأن شيئاً لم يحصل، وكأنه مفهوم غير ملتبس وغير إشكالي ولا يعاني من تناقضاته وثغراته الخاصة. فقد استُخدم المفهوم زمناً طويلاً لتبرير الهيمنة والاستعمار، واستُخدم كذلك لتبرير مشاريع استبداد سياسي وهندسة اجتماعية انتهت بكوارث إنسانية.
ما يميز فكرة التقدم الموروثة من القرن التاسع عشر هو طبيعتها اللاهوتية، كونها لاهوت التقدم، مسيرة تاريخية ضرورية ومحددة، سنسيرها جميعنا بقوة التاريخ وبمعزل عن الأثمان التي ينوجب علينا دفعها، ولكن في النهاية سنصل. من الطبيعي أن لكل ايديولوجيا لاهوت تقدمها الخاص، يوتوبيتها الخاصة. وهذا فتح الباب على مصراعيه لصراع الايديولوجيات الكبير في القرن العشرين، صراع بين عقائد لاهوتية متباينة حول التقدم. لاهوت التقدم هذا هو الذي انتهى، ولا مغزى لاستعادته أو المنافحة عنه، لاهوت يجد أصوله أساساً في التقاليد اللاهوتية لتواريخ الخلاص. ليس الوعد الخلاصي في التاريخ وحده ما انتهى، بل أيضاً الوعد بمعرفة نهائية وشاملة للعالم ومؤسسة على نفسها، وهذا بفضل الانجازات في الرياضيات كما في الفيزياء. هناك حدود لما يمكن لنا معرفته، حدود لما يمكن للعلم أن يجيب عنه. هذه الوعود الكبرى، النهائية والخلاصية، انتهت. لكن هذا لا يعني، بدوره، نهاية أية فكرة حول التقدم، فالموضوع ليس كل شيء أو لا شيء.
يمكن تبني مقاربة براغماتية للتقدم بالنظر إليه من زاوية التمكين والرفاه الإنسانيين، وهي مسائل يمكن ملاحظتها. ارتفاع مستوى الحياة، ارتفاع مستوى الامكانيات والمشاركة للأفراد والشعوب، التحسن في الرعاية الصحية وغيرها، كما الارتفاع في مستوى الحياة الروحية والثقافية وامكانيات التمتع بحياة جيدة وممتعة، والتطور المرافق في المؤسسات والإجراءات والمعايير التي تمكننا من المحافظة على كل هذا. لكن، أيضاً، دون تحويلها إلى ايديولوجيا.
كل البشر يرغبون بالتمتع بمستوى حياة مواز لذلك الذي يتمتع به الأوروبي أو الأمريكي فيما يخص استهلاك الطاقة والمواد والغذاء، وهم يسعون إلى تحقيق هذا، لكن عندها لن تكفينا الأرض. هذا المثل يمكن أن يفيد من جهة في نقد أنماط حياة تدعي أنها متقدمة، ولكنها في الوقت عينه غير سوية وتتعارض مع المساواة والتمكين لأكبر عدد من البشر. لكنه أيضاً -ومن ناحية أخرى- يفيد في إظهار حدود ومفارقة فكرة التقدم. ثمار التقدم، ما نفترضه في لحظة تاريخية معينة تقدماً، ليست بالضرورة كلها جيدة، بل لها أيضاً سلبياتها. التقدم مسيرة ممتدة دون هدف نهائي ومحدد، مسيرة محفوفة بمنعطفاتها ومشاكلها الناشئة عن الطريق نفسه، لكن ومع هذا تبقى مسيرة إلى الأمام. وكما عبر إدوارد برنشتاين مرة عن هذا، بأن الهدف النهائي ليس شيئاً ولكن الحركة هي كل شيء.
فكرة مخففة عن التقدم لا تعني أن التقدم ليس مفهوماً إشكالياً، على العكس تقبل بالطبيعة الإشكالية للتقدم وبأنه يتضمن العديد من الاشكاليات الداخلية، مثل التقدم التقني الذي قد يقودنا إلى كوارث بيئية. لكن مقاربة براغماتية ومخففة للتقدم تسمح أيضاً بمعالجة هذه التناقضات والاستعصاءات الداخلية في سياقاتها، دون الحاجة لربط المفهوم بلاهوت يقوم على الضرورة والهدف النهائي. في الوقت نفسه، لن نخسر الطاقة النقدية لمفهوم التقدم في مواجهة السلطويات والرجعيات، أي التقدم بوصفه سلاحاً فعالاً في النقد الاجتماعي الذي لا يستقيم بدونه، نقد ينظر إلى المستقبل.
جريدة الحياة
Kommentare
Kommentar veröffentlichen