الشعبوية اليمينية وسياسات الجبهة المعترضة
يُشار -وبشكل متزايد- إلى حقيقة تشابه أوضاعنا الحالية مع الاوضاع التي سادت في حقبة العشرينات وبداية الثلاثينات، الحقبة التي سبقت ومهدت لاستلام النازيين للسلطة في المانيا. من الأشياء الملفتة وقتها كان ظهور شكل من السياسات المعارِضة لجمهورية فايمار عُرفت باسم "الجبهة المعترضة"، حيث حاول المنخرطون فيها الربط بين مطالب وسياسات من أقصى اليمين مع أخرى من أقصى اليسار ضد التقاليد الليبرالية التي اعتمدتها جمهورية فايمار. سياسات اعتمدت على تأسيس تحالف عرضاني، ومن هنا أتى اسمها. استند تبرير هذا التحالف ليس وحسب على العداء لليبرالية، بل أيضاً على وجود تصورات عضوية وجماعوية لليسار واليمين، يمكن تأويلها بطرق متشابهة في إطار قومي. بعد الحرب العالمية الثانية دُفعت هذه الاستراتيجية إلى الهامش، فبقيت محصورة في أوساط يمينية متطرفة، دعمتها في مراحل مختلفة شخصيات منحدرة بدورها من أقصى اليسار مثل هورست مالر واينهولد أوبرلشر، اللذان كانا من قيادات الانتفاضة الطلابية عام 1968 وأصبحا لاحقاً من منظري وقيادات الحركة القومية النازية. بالنسبة لهما، لم تكن هناك قطيعة أساسية في مواقفهما، بل استمرارية متجلية في العداء للامبريالية والولايات المتحدة والرأسمالية والفردانية والقيم البرجوازية والغرب باسم الجماعة. لكن ما كان جماعة أممية طبقية، أصبح جماعة قومية، وحتى في تحالف أممي للجماعات القومية. لا يجب أن يكون هذا التقاطع مستغرباً كثيراً، فقط انظر إلى مناصري بوتين مثلاً وهم يتوزعون على أقصى اليمين واليسار.
اليوم، يظهر تحول ملفت للاهتمام في تكتيات اليمين الجديد، مع انزياح الطيف السياسي بأكمله إلى اليمين. بعضها يُظهر تقاطعاً مع استراتيجية الجبهة المعترضة. فعلى العكس من تراث اليمين القديم المعادي للتنوير والعقلانية والمنحاز إلى القيم التقليدية والمحافظة، يدافع اليمين الجديد عن قيم التنوير، لكن بوصفها قيم أوروبية وليس باعتبارها قيم إنسانية وعامة، قيم أوروبية تتعرض للتهديد من الآخرين، المسلمين في حالتنا. على سبيل المثال، حزب البديل الألماني الشعبوي اليميني والحامل لقيم المحافظة وخاصة فيما يتعلق بالمرأة والأسرة. لكن في نفس الوقت، فإن رئيسة كتلته البرلمانية أليس فايدل، وهي مثلية، تقدم خطاب معادي للإسلام يقوم على فكرة تناقض الإسلام مع قيم الحرية والمساواة وتهديد المثليين، أي تناقض الإسلام مع ذات القيم التي كان اليمين على صدام معها تقليدياً. عداء الإسلام للمساواة بين الرجال والنساء فكرة شائعة اليوم في خطاب اليمين، بعدما كانت هذه المساواة معضلة اليمين تاريخياً. هذا التحوير لا يقتصر وحسب على اليمين، فالعديد من السياسيين اليساريين أو الفلاسفة والمنظرين المحسوبين عليه يتبنون على هذه الفكرة، التناقض بين الإسلام والقيم الأوروبية، حيث يتماهى التنوير بشكل متزايد مع أوروبا. زهرة فاغنكنشت القيادية في حزب اليسار الألماني تعارض سياسة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل فيما يخص الهجرة باسم تباين القيم الثقافية التي يحملها المهاجرون، داعية وبشكل متزايد إلى حماية الثقافة الألمانية. فيلسوف بارز في اليسار مثل بيتر سلوتردايك يدعو إلى حب الحدود.
لنكن واضحين، لا تكمن المشكلة في الإشارة إلى تعارض بين الإسلام -كما تتمثله الغالبية من المسلمين اليوم- مع التنوير والقيم الليبرالية الناظمة للدول الأوروبية، بما يستدعي ضرورة نقد المسلمين والإسلام والتأكيد على ضرورة الاندماج والالتزام بالنظام القانوني للدول المستضيفة. إنما تكمن المشكلة في تحويل التنوير إلى كتلة صماء خاصة بأوروبا ووضعه في مواجهة الإسلام، الذي أصبح بدوره صلداً وبدون تمايزات، كتلة واحدة لا يمكن إلا رفضها. أيضاً، تكمن المشكلة في جانب آخر وهو اختزال معضلة اللاجئين في أسئلة ثقافية وإهمال الظرف السياسي والاجتماعي الذي يحكمها، والمتمثل بقمع واضطهاد ومذابح يتعرضون لها في بلادهم على يد أنظمة تستبيحهم أو بلاد منهارة اقتصادياً لا تقدم أي أمل بحياة أفضل. كل هذا يتم تجاهله لمصلحة نقاش ثقافي ينتهي إلى صياغة ضدين صلدين، تنوير أوروبي في مواجهة إسلام أجنبي معادي للتنوير ولا يمكن قبوله.
لا يقتصر تشابه أقصى اليسار واليمين على خطاباتهم حول مسألة اللاجئين والخطر الثقافي الذي تتعرض له أوروبا وحسب، بل يتعداه إلى محاولاتهم صياغة سياسات شعبوية متمحورة حول الدولة والدفاع عنها بوصفها مركز السياسة والسيادة. غير أن هذه العودة إلى الدولة لا تبدو إنها تخدم اليسار، فهي تدعم التيارات القومية في نهاية المطاف لأنها الأقدر على التعامل والتعبير عن حساسيات قومية حول سيادة الدولة. فشعارات مثل حماية القرار السيادي للدولة وسياسة حمائية تحمي وظائف "عمالنا" في مواجهة ما تتعرض له من أخطار تؤول في النهاية إلى رفع منسوب القومية في السياسة، وعليه فمن الأفضل للمرء أن ينتخب حزب البديل عوضاً عن انتخاب حزب اليسار في ألمانيا، فهو الأقدر على تبني ما يدعو له، بينما تتيه سياسة حزب اليسار في تناقضاتها والتزاماتها المتباينة.
نقطة أخرى تذكرنا كذلك بفترة العشرينيات والثلاثينات، حينها تبنى الكومنترن والأحزاب الشيوعية موقفاً يقوم على اعتبار الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية الخطر الأعظم الذي يجب مواجهته، وذلك برغم صعود النازية. فقد اعتبرت الأحزابُ الشيوعية الأحزابَ الاشتراكية الديمقراطية رأس حربة النظام الرأسمالي الذي دخل في أزمته الثورية. لم تغير الأحزاب الشيوعية استراتيجيتها وتنتقل إلى استراتيجية "التحالف الشعبي" في مواجهة النازية إلا في منتصف الثلاثينات، بعدما فات الوقت في ألمانيا. بالطبع كان الشيوعيون أول وأكثر من دفع ثمن سياستهم بما قدموه من ضحايا. اليوم تظهر ميول مشابهة في أوساط اليسار، فالفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجك رأى في هيلاري كلنتون الخطر الحقيقي. هناك ميل في اليسار للتغاضي عن صعود اليمين الشعبوي، بل الاحتفاء به، باعتباره يفتح الباب لبلورة خيارات أكثر راديكالية. لا تبدو الديمقراطية ومؤسساتها تعني الكثير لهذا اليسار، مثلما لم تعني له الكثير سابقاً.
ما نراه اليوم، هو تقاطع متزايد بين استراتيجيات اليمين واليسار، إعادة استخدام لقيم بعد تحوير معناها بما يخدم مصلحة تشكيل جبهات عابرة ومعادية لليبرالية والمؤسسات الديمقراطية. في النهاية سيدفع اليسار ثمن هذه الاستراتيجيات، لأن اليمين هو الأقدر -كما كان دائما- على الاستثمار في هذه الاستراتيجيات. لن نرى شعبوية يسارية، ولن نرى سياسات سيادية يسارية بل يمينية، ولن يكون من دور لليسار سوى في تمهيد الأرض لها، وأن يكون بعدها أول ضحاياها.
جريدة الحياة
Kommentare
Kommentar veröffentlichen