الدين في عصر رأسمالي


كثيراً ما يُنظر إلى الدين بوصفه شيء قديم وغير عقلاني ومرتبط بالجهل، ومن المفترض أن العقلانية والحداثة والعلم ستدفع إلى تجاوزه والانتهاء منه. غير أن الذي حصل هو العكس، وصارت هذه القراءة نفسها متجاوزة. بقي الدين حاضراً بقوة وأمسى في العقود الأخيرة ظاهرة مركزية في قلب أي مقاربة للواقع الاجتماعي، وصار الحديث عن عودة الدين وثأر الله. لكن وبرغم تكذيب التوقع بزوال الدين، فإن صورة الدين المضمرة في مثل هذا التنبوء لم تزل مقبولة بشكل واسع، الصورة التي تربط بين الدين وما هو قديم وغير عقلاني. الدين، في النهاية، تعبير عن أثر باق من عصور سالفة وتصور غير عقلاني، لا يتناسب مع عقلانية وعلمية عصرنا الراهن. صحيح أن الدين لم يندثر كما يُفترض، ولكننا ما زلنا بحاجة إلى تفسير لصموده وبقائه.

إن هذا التصور تجب مساءلته. هل حقاً الدين -كما نعيشه اليوم- أثر من عصر سالف أم شيء حديث ولا يمكن فهمه إلا في إطار عصرنا الراهن؟ أو على الأقل، أن العديد من سمات الدين المعاصر مرتبطة وبشدة بعصرنا وليست أثار باقية من عصور أقدم.

 نحن نعيش في عصر رأسمالي قائم على التطوير والابداع المستمرين وضرورة اللحاق بآخر الاختراع والتقنيات والتعامل معها، هذه سمة مركزية لعصرنا. إحدى معضلات عصرنا الرأسمالي الراهن هي الوقت، ليس لدينا الوقت الكاف لفعل ما نريد، نحن دوماً في عجلة من أمرنا. نعمل خمسة أيام في الأسبوع وإذا ما أضفنا إليها (بافتراض وقت العمل 8 ساعات، لكن الغالبية ربما تعمل أكثر من هذا) الوقت اللازم للمواصلات في مدن مزدحمة وهائلة الحجم، فإننا نعطي -على أقل تقدير- عشر ساعات يومياً للعمل. أيضاً يتوجب على المرء تنمية نفسه بشكل منتظم - لدينا اليوم طوفان من أدبيات التنمية والإدارة الذاتية- وذلك تحت ضغط المنافسة والنجاح والحاجة إلى التميز، وليس بذريعة الخوف من الفقر كما كان الحال سابقاً، وهو ما يحتاج وقتاً إضافياً. يبقى القليل من الوقت للاستراحة واسترجاع الطاقة وقضائه مع الأسرة وبهذا ينتهي اليوم. تبقى عطل الأسبوع لتنفيذ الحاجات التي لم يكن لدينا وقتها لتنفيذها خلال الأسبوع. إن وقت حياتنا بالكاد يكفينا للقيام بحاجاتنا الأساسية، لم يعد هناك وقت للكسل وعدم فعل شيء. حتى الوقت اليسير الذي قد نحظى به للكسل، فإننا عموماً ننشغل به، للتفكير بما سنفعله لاحقاً بعد انتهاء الوقت المخصص لكسلنا. نحن دوماً في عجلة من أمرنا، علينا استثمار كل دقيقة من أجل تطوير ذواتنا وتحسين انتاجيتها وقدراتها على المنافسة وأن تكون أفضل من أجل السوق. البطء لم يعد فضيلة بل خطيئة، علينا الاستماع بأي شيء بسرعة وعجلة. بهذا المعنى فإنه لم يعد لدينا وقت للتأمل والنظر في الأشياء والتفكير بروية بأنفسنا وحياتنا.

جميعنا نسلم بشكل أو بآخر بأن الحاجات الروحية للإنسان حاجات أصيلة لا يمكن نكرانها، دون أن يعني هذا وجود شكل وحيد لإشباعها. لكن إذا نظرنا قليلاً إلى التجارب المعروفة لإشباع هذه الحاجات (متصوفة ورهبان أو حتى رجال مشهود لهم بالصلاح) فإن أول ملاحظة هو الوقت الطويل الذي تحتاجه هذه التجارب لاكتمالها ونموها. وقت طويل يُصرف في التأمل والنظر وعناية المرء بشخصه أو بمن هم حوله، وقت للحب إذا استعمالنا تعبير رومانسسي قليلاً. يحضر في التصوف الإسلامي تعبير جميل لوصف الحال، المكابدة والمجاهدة. نحتاج لوقت للمكابدة، لكن هذا الوقت لم يعد لدينا اليوم، لم نعد نستطيع أن نسند رؤوسنا بأريحية إلى الجدار ونتأمل لساعات دون أن نفكر بما علينا فعله لاحقاً.

كيف يمكن إشباع هذه الحاجات في عصرنا الرأسمالي؟ وكيف يمكن لهذه الحاجات نفسها أن تتجلى في عصرنا الراهن؟

إذا لم يكن لدينا الوقت الكافي لنحيا تجاربنا الخاصة، عندها علينا شراء تجارب الآخرين كمنتجات جاهزة. وأول خط إنتاج جاهز لمثل هذه السلع الروحية هو التقاليد. تقدم التقاليد، في عصرنا، إجابات جاهزة ومعلبة لكل الأسئلة التي يمكن للمرء أن يطرحها، وعادة ما تكون أسئلة مبسطة ومتوافقة مع الوقت القليل الذي لدينا للتساؤل والتأمل. طقوس وشعائر وأردية موحدة وقياسية وجاهزة للاستهلاك المباشر من قبل مستهلكين هم أنفسهم منمطين ومعايرين بشكل كبير. تهتم المنتجات الدينية بتقديم شعور بالانتماء إلى جماعة وإشباع سريع (مثل الوجبات السريعة) للفضول الروحي الذي يعترينا في فسحة الزمن الباقي لنا بين زحمة أعمالنا. تحتاج لفتوى، اتصل بالرقم التالي وستحصل على إجابتك مصحوبة برعاية شركة ما. لم يعد التقليد ثراء واندراج في نظام أخلاقي وقيمي لجماعة واسعة تعطيك الشعور بالأمان والمحبة والدفء، بل مجرد "تقليد" لطقس وشعائر تستهلكها لتعرف نفسك. لا يختلف دور التقليد الديني المعاصر في تعريف الشخص لنفسه عن الدور الذي يلعبه الاستماع لموسيقى الجاز مثلاً.

يظهر الدين اليوم بشكل منتجات روحية مجهزة للاستهلاك في عالم لا نملك فيه الكثير من الوقت لصرفه على خوض غمار تجربة روحية ذاتية، بالمقابل لا تقدم هذه المنتجات -بغياب التجربة الذاتية- إشباع حقيقي للحاجة الروحية نفسها، بل إشباع مزيف لحد كبير. لكن ما الذي تشبعه هذه المنتجات بما يُفسر النجاح الذي تلاقيه؟

العلاقة مع الله -في أي تراث ديني- خير بذاتها ومطلوبة لذاتها، مثلما فعل الخير هو خير بذاته ولذاته. لهذا تحضر الروايات التي تدين فعل الخير لأهداف تتجاوز الخير نفسه مثل الشهرة والمكافاة والسمعة. اليوم، إن سألت أحدهم عن سبب الإيمان والحاجة إليه ستسمع إجابات مختلفة، أحدُها رهان باسكال. يمكن تلخيص رهان باسكال على الشكل التالي: خمسون في المئة الله موجود، خمسون في المئة الله غير موجود. إذا آمنت بالله وكان موجوداً، فقد كسبت وإن لم يكن هناك إله لم تخسر شيء. بالمقابل إن لم تؤمن بالله، وكان هناك إله خسرت كل شيء. الرهان في جوهره مقامرة. سبب آخر، الإيمان يعطي راحة نفسية ويجعلنا أكثر اتزاناً واستقراراً للقيام بأعمالنا. إن الأسباب التي تُقدم ضمناً كتفسير للحاجة إلى الديني لا تعدو عن كشف حساب لعلاقة الربح والخسارة أو توازن نفسي يجعلك أكثر طاقة وقدرة على الانخراط في عالم العمل اليوم، أسباب نفعية. لم نعد نقتصر على منتجات روحية موجهة إلى السوق، بل إن فكرتنا عن الديني نفسها أصبحت رأسمالية بشكل متزايد. الدين، بشكله اليوم، ليس أثراً من زمن مضى، بل منغرس تماماً في تجربة عصرنا الرأسمالي الراهن، عصر الوقت المضنون به على أهله.

يوماً وصف ماركس الدين بأنه تنهيدة الكائن المقهور، والقلب في عالم لا قلب له. لكن اليوم يبدو أن حتى هذا القلب يصير رأسمالياً، سلعة تُباع وتُشترى مثل القلوب الحمراء في فالنتاين.


جريدة الحياة

Kommentare

Beliebte Posts aus diesem Blog

التنوير الراديكالي وثورة العقل

اللانهاية ومفارقاتها