السيادة كخرافة خطرة

في رسالته إلى بيبل، ينتقد انجلز برنامج غوتا الذي أقره الحزب الاشتراكي الألماني وقتها في قضية الدولة الحرة، متسائلاً ما الذي تعنيه دولة حرة؟ فالمعنى الحقيقي لكون الدولة حرة هو أن تكون حرة تجاه شعبها، وفعلياً دولة استبدادية. نقطة انجلز الأساسية هي أن تحليل الدولة لا يمكن أن يتم دون النظر إلى بنيتها الاجتماعية، الصراع الطبقي وكون الدولة أداة في يد الطبقة المسيطرة. بالنسبة لانجلز، رفع شعار الدولة الحرة وإهمال البنية الاجتماعية للدولة لا يعني سوى الخضوع لايديولوجيا الدولة والدفاع -في النهاية وإن يكن دون قصد- عن استبداد الدولة وقمعها الطبقي.

يمكن استعادة روح نقد انجلز فيما يخص شعار شبيه وهو سيادة الدولة، بالسؤال أيضاً سيادة من؟ والسيادة على من؟

نقرأ في العديد من دساتير دول المشرق العربي أن السيادة مصدرها الشعب، ولكن هذه العبارة لا تساوي ثمن الورق الذي كُتبت عليه. فممارسة السيادة الفعلية في هذه الدول تتجلى في قصف المدن وفتح السجون وقمع الشعوب، هذه هي السيادة الوحيدة التي تمارسها الدولة المشرقية العربية. في المقابل يتجلى الوجه المُرائي من السيادة، مثلاً، في قاعدة حميميم والميليشيات التي تتناهب أشلاء الدولة التي تقف عاجزة أمامها، إما لأن هذه الميليشيات تستند في قوتها إلى سلطة دول خارجية تحميها وتعجز سلطة النظام أمامها، إن لم يدن النظام نفسه ببقائه لهذه السلطة الخارجية، أو لأن السلطة نفسها ليست إلا ميلشيا أخرى ضمن هذه الميليشيات التي تتقاسم السيادة.

بل يمكن لنا أن نتابع بشكل مضاد، محاججين في أن القيود التي فرضها النظام الدولي على "سيادة" الدول العربية هي التي ألجمتها، وضمن حدود معينة، من الإسهال في ممارسة السيادة على شعوبها، وإلا لكنا رأينا أكثر مما نرى الآن في سوريا والعراق وحتى اليمن أو مصر. هنا علينا أن نأسف، ليس على السيادة، إنما على اللاسيادة. كذلك، كان التدخل الدولي المنتهك للسيادة حاضراً على كامل العقد الذي سبق الربيع العربي في شكل مبادرة الإصلاح العربي وإفساح المجال أمام منظمات المجتمع المدني بالعمل والضغط على الأنظمة العربية من أجل تبني حقوق الإنسان أو على الأقل الدفع في هذا الاتجاه، فابن علي كان يفخر أن لائحة حقوق الإنسان موجودة على جدران السجون في تونس: والقصد الالتزام بها. هذا الانتهاك للسيادة هو الذي سمح بتبني والتوسع في استخدام لغة معيارية وقيمية تستند إلى حقوق الانسان، حريته وكرامته، والتي ستجد لاحقاً تعبيراً عنها في مطالبة للربيع العربي المركزية بالحرية. كذلك سيلعب ناشطو هذه الجمعيات واللجان دوراً مهماً في انتفاضة الشعوب العربية وخاصة في مصر.

قد يكون من المفهوم تماماً في العقد السابق على الربيع العربي، أن يستخدم الناشطون شعارات مناهضة للعولمة والتدخل الدولي، وأن تلعب قضايا فلسطين وحصار العراق واحتلاله دوراً مركزياً في تعبئتهم، وذلك بسبب غياب المجال المفتوح والقمع التي سيتعرضون له في حال طرحهم شعارات ديمقراطية صريحة ومباشرة. كانت القضايا الأخرى الخطوة الأولى والاجبارية، كما يبدو، للتدريب على الكلام واللقاء العلنيين والانتظام والظهور في الساحات العامة. وعلى هذا الأساس ومن خلال توسط هذه القضايا القومية -العراق وفلسطين- بدأ دخول مجموعات من الشباب السوريين إلى الميدان العام، الذي سبق وتم غلقه بشكل نهائي مع قمع الثمانينات. لكن لاحقاً سيعود هؤلاء إلى قضاياهم المحلية والسعي إلى الحفاظ على الهامش الذي أُتيح لهم مرة باسم قضايا قومية وحتى توسيعه. محمد عرب، الطالب في كلية الطب في جامعة حلب وقتها، كان حاضراً في مظاهرات فلسطين والعراق ولاحقاً من أجل حقوق الطلاب والدفاع عنها، الأمر الذي كلفه سجنه الأول.  محمد، الطبيب، عاد لاحقاً كناشط أساسي في النشاط الثوري في مدينة حلب وهو الأمر الذي كلفه سجنه الثاني المستمر إلى يومنا هذا، دون أن يعرف أحد عن مصيره شيئاً.

لكن أن تتحول السيادة إلى شعار في ذاته مع إهمال بنية الدولة المشرقية العربية وسياقها فهذا لا يعني سوى الانخراط في معركة الدولة ضد شعبها، وليس ضد أحد آخر. هذه المعركة هي الإطار الوحيد لفهم شعار السيادة، بحكم أن ممارسة السيادة مقتصرة تماماً عليه. تبدو السيادة إيديولوجيا الدولة الوحيدة الباقية لها في عصر انحطاطها إلى ميليشيا وجهاز قمع هائل الحجم وحسب، وذلك بعد أن انتهى عصر الدولة الثوري والهادف إلى خلق مجتمع أفضل. مع السيادة، كشعار وحيد، تعود الدولة إلى حقيقتها كعصابة تسعى للدفاع عن حقها في امتلاك شعبها دون تدخل من أحد. لا ناصر جديد لدينا اليوم، ولن يكون أيضاً.

أصبحت السيادة في سياق تغول الدولة واندماجها الكلي بالنظام الحاكم بأمره خرافة وخرافة شديدة الخطورة أيضاً. عندما يرفع أحدهم شعار السيادة، علينا أن نسأل عندها، مثلما فعل انجلز سابقاً، سيادة من؟ والسيادة على من؟


جريدة الحياة

Kommentare