الدولة الحديثة والمقاربة المقاصدية
تحظى المقاربة السيادية للدولة في الفكر السياسي الإسلامي بحضور واسع وأسماء لامعة كسيد قطب وأبو الأعلى المودودي وتقي الدين النبهاني، وهي تفهم "إسلامية" الدولة من زاوية السيادة والحاكمية. مأزق هذه المقاربة أنها تنتهي إما إلى إنتاج دولة ثيوقراطية رغبت بهذا أو لم ترغب، أو إلى الوقوع في مأزق استحالة تعايش مفهوم الدولة الحديثة ونظام الحكم الإسلامي. استحالة دلل عليها وائل حلاق (الدولة المستحيلة)، رغم أن الأخير يختزل كل الفكر السياسي الإسلامي في إشكالية الحاكمية/السيادة.
لا يقتصر الفكر السياسي الإسلامي على المقاربة السيادية، فبجوارها وجدت مقاربة مختلفة لإسلامية الدولة، تحددها من زاوية مقاصد الشرع. مقاربة لها حضور مغاربي كما في أعمال محمد جبرون (مفهوم الدولة الإسلامية) وسعد الدين العثماني (الدولة المدنية في ظل مقاصد الشريعة الإسلامية) والأخير من قيادات حزب العدالة والتنمية المغاربي.
الفكرة الأساسية التي تدور حولها المقاربة المقاصدية يمكن تلخيصها على الشكل التالي: وجوب التمييز بين الممارسة التاريخية للمسلمين في مسعاهم لتطبيق الشريعة ومقاصد الشريعة، والأخيرة هي كليات مطلقة والالتزام بها هو ما يحدد إسلامية الدولة أو حتى السلوك الفردي. فالعدل مقصد من مقاصد الشريعة وهو قيمة كونية بذاته، ولكن تحقيق العدل، أي الانتقال من فكرة مجردة إلى سلوك عياني محدد، هو رهن بالسياق التاريخي التي يحكمه واجتهاد الأفراد وفهمهم. المقصد مطلق وكلي وتحقيقه تاريخي وبشري. الدولة الإسلامية التاريخية بالتالي هي شأن بشري، أي محاولة بشرية لتحقيق المقاصد الكلية للشرع، بما في ذلك التجربة التاريخية للنبي أو للخلفاء الراشدين من بعده. أما مفهوم "الدولة الإسلامية" فإنه يعبر عن تصور المسلمين لما أرادوه وطمحوا إليه في سياقات تاريخية محددة. وهكذا فإن التجارب التاريخية للحكم لدى المسلمين كانت اجتهادات بشرية وليست ملزمة لمن يخلفهم، خاصة أن السياقات التي حكمتها آنذاك قد أصبحت اليوم متجاوزة. كل هذا يسمح بالتمييز بين مقاصد الشرع وأحكام الشرع بما فيها الحدود باعتبارها تحققات تاريخية مشروطة بزمانها ومكانها وليست ملزمة بذاتها، فالملزم هو المقاصد الكلية للشرع.
انطلاقاً من الفهم المقاصدي للشرع يتأسس الفصل بين الديني والدنيوي/السياسي، باعتبار الأول هو ما يتعلق بالدين كعقيدة والثاني يحيل على ممارسة تاريخية دنيوية وبشرية تحاول أن تحقق المقاصد الكلية للشريعة، معيارها الذي تحتكم إليه هو جلب المصالح ودرء المفاسد، فصل يجد أصله في الحديث الشريف "أنتم أعلم بأمور دنياكم". ربما من الأفضل هنا الحديث عن التمييز بين الدنيوي والديني، وليس الفصل. فالدنيوي يبقى مؤطراً داخل الإطار الكلي للمرجعية الإسلامية ممثلة بالمقاصد الكلية للشرع، وإن كان يحيل إلى سوية ومعايير مغايرة للديني في المحاججة والاقناع.
وعلى الأساس من هذا التمييز يتم القبول بالدولة الحديثة، الدولة-الأمة، وأيضاً الفصل بين الأمة السياسية، الشعب، والأمة الاعتقادية، جماعة المسلمين. بل إن القبول بالديمقراطية والاحتكام إليها يتم تسويغه على الأساس من هذا الفصل، فالسياسة التي تسعى إلى تحقيق العدل (سياسة ضرائبية معينة مثلاً) والمقترحة من طرف حزب إسلامي هي اجتهاد بشري يجد مسوغه في المصلحة والتي يمكن للأغلبية أن تقبلها أو ترفضها وحتى أن تختار سياسة بديلة من طرف حزب غير إسلامي، ففي النهاية هذه سياسة مدنية وليست دين.
المقاربة المقاصدية تصالح الدولة الحديثة مع الإسلام، وتسعى لإعادة الاعتبار إلى الذات عبر الاجتهاد البشري والتأكيد على محوريته في تحقيق مقاصد الشريعة. رغم مزايا هذه المقاربة إلا أن هناك عدد من القضايا الإشكالية وسأوجز ثلاث منها:
تبدو الغاية الأساسية للفهم المقاصدي إيجاد أساس شرعي للدولة الحديثة، إلا أن الدولة الحديثة تقوم على أساس عقلاني ودنيوي (علماني)، وليس على أساس ديني. الخطر المحيق بمثل هذه المحاولة هو أن تبقى خارجية بالنسبة للإسلام وأقرب لرد الفعل. يمكن في هذا السياق أن نستحضر النقاش الذي دار في النصف الثاني من القرن العشرين حول الطبيعة الاجتماعية للحكم الإسلامي. بدا الإسلام وقتها اشتراكياً، اتفق على هذا سيد قطب ومصطفى السباعي ومحمد باقر الصدر. لكن ومع انحسار الاشتراكية أمسى الطرح مهجوراً، وكأن اشتراكية الإسلام ليست إلا رد فعل، لا أمراً أصيلاً.
تتعلق النقطة الثانية بالتأويل، فالمقاربة المقاصدية في جوهرها مقاربة تأويلية في اتجاهين.
ينطلق الاتجاه الأول من المقصد إلى السياق العياني للدولة وفي هذه الحال يُطرح سؤال المنهجية التي يتوجب عليها ضبط التأويل، فهل كل تأويل مقبول أم هناك ضوابط تحدد صلاحيته؟ أما الاتجاه الثاني، وربما الأكثر أهمية من الناحية العقدية، فهو ينطلق من السياق العياني للتجربة التاريخية للرسول إلى المقصد، والتأويل هنا يتعلق بسياق القارئ الذي يكتشف المقاصد عبر قراءته للتجربة التاريخية للرسول. ما هو المنهج الذي يضبط عملية اكتشاف المقاصد الكلية من التجربة التاريخية للنبي؟
جبرون -مثلاً- أشار إلى ثلاثة مقاصد كلية تؤطر الدولة الإسلامية وهي البيعة والعدل والمعروف. لكن لماذا ثلاثة مقاصد وليس أربعة؟ ولماذا هذه وليس غيرها؟ خاصة أن المقصد الأخير (المعروف) غير واضح التعريف ويدخل فيه العديد من الممارسات التي بعضها مدني الطابع والآخر ديني الطابع، كما أن جبرون يخالف معظم الفقهاء في تحديدهم للمعروف.
يصدق هذا أيضا على "العدل". يناقش جبرون ممارسات عادلة كقسمة الخراج، دون أن يكون في متناولنا نظرية عن العدالة، أي ما هي الشروط اللازمة لكي نستطيع أن نصف سلوك أو حالة ما بأنها عادلة. كذلك الحال مع الفصل بين المدني والديني لدى العثماني، فهو فصل لا يمكن تسويغه إلا عبر التأويل، خاصة عندما يتعلق الأمر بممارسة واحدة علينا أن نميز بين جانبيها المدني والديني، كما في حال الزكاة وهي من أركان الإسلام ومنعها وما قاد إليه من حروب ردة اعتبرت ردة عن الإسلام.
النقطة الأخيرة تدور حول الطبيعة الأخلاقية لهذه المقاصد التي تؤطر مفهوم الدولة وطبيعة علاقة الأخلاق بالدين. هل معرفة المقاصد الأخلاقية الكلية مشروطة بالدين ضرورة، أي بإخبار الوحي عنها؟ أم يمكن للعقل إدراكها بإتباعه قواعد عامة؟ وفي حال تحويل المقاصد إلى مبادئ كلية معقولة فإن النروج –مثلاً- ستكون عندها الدولة الأكثر إسلامية، وهو تناقض ذاتي.
حدد العلماء المقاصد الضرورية للشريعة في خمس، وهي حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال. وهذه المقاصد مرتبة تبعاً لأولويتها، فبذهاب الدين لا يقوم شرع ولا يصح صحيح ولا يبطل باطل، هكذا يُتابع مع النفس والعقل وهلم جرا. كيف تحفظ الدولةُ الدينَ؟ هل تتبنى سياسة تدخلية بقوم على حمل الناس عليه، أم تمييزية تكتفي بنشره والقيام بدعوته، أو بالتضييق على مخالفته؟ ألا يعني هذا تضييقاً من الحرية الشخصية، مما يلزمها بسياسة محايدة تجاه الاعتقاد.
ما تحتاجه المقاربة المقاصدية يتجاوز فقه السياسة إلى فتح باب اللاهوت الإسلامي (علم الكلام). السؤال حول شروط التأويل الضابطة للقراءة واستخراج المعنى وتعليل التمييز بين المدني والديني ولم يعد سؤالاً في فقه السياسة، بل سؤال من طبيعة كلامية.
جريدة الحياة
Kommentare
Kommentar veröffentlichen