هزيمة الربيع
قبل 2010 كانت استبداد النظام العربي مهيمن، والشعوب العربية مجبرة على الصمت والخضوع. واقتصرت بؤر الاحتجاج السياسي (فيما عدا احتجاجات نقابية ومعيشية) على مجموعات صغيرة من نشطاء حقوق الإنسان ومبادارات إصلاحية.
اقتصرت السياسة، وقتها، على سياسات الأنظمة، السياسات الخارجية القائمة على التنافس وتوسيع النفوذ الخاص بكل نظام، صراع العروش. محور الممانعة في مواجهة محور الاعتدال. ورغم هذا التنافس والنزاع، فقد بقي التنسيق والتعاون الأمني بين هذه الأنظمة بأفضل حالاته. اجتماعات وزارات الداخلية والتعاون بين أجهزة الأمن كانت التعبير الوحيد والحقيقي عن التضامن العربي، تضامن النظام العربي. أما الشعب لم يكن معطى سياسي. لم يكن هناك علاقة بين السياسة والحرية.
ثورية وجذرية الربيع العربي، لحظته الأولى، الحقيقية تجلت في كسره لنظام السياسة هذا. مواجهة الاستبداد والرغبة بالحرية وفتح السياسة للشعب، "الشعب يريد ...." التعبير الأمثل عن هذه الجذرية.
وفي مواجهة الربيع العربي وقتها، توحدت الأنظمة - وبمعزل عن تحالفاتها ومحاورها. وحتى ما بدا استثناء، قطر، فإنه انتهى سريعاً عندما وصلت بوادر الربيع الأولى إلى الخليج، البحرين والسعودية (وطبعاً دون الحديث عن "الديمقراطية" القطرية نفسها).
اليوم، وبعد عقد من بداية الربيع، تظهر الهزيمة الحقيقية للربيع العربي. هزيمة ﻻ تعبر عنها فقط عودة الأنظمة السلطوية، بل فيما أصاب المنجز الأكثر جذرية للربيع العربي نفسه والذي تمثل في كسر الشكل القديم للسياسة، واجتراحه بعداً آخر لها، سياسة الجمهور والحرية.
اليوم، صار الربيع العربي نفسه جزءاً من صراعات المحاور، لقد وُضع الربيع العربي نفسه في حظيرة السياسة القديمة، مُقلصاً إلى صراعات محاور ونزاعات جيو-استراتيجية. أصبح المتمردون جزءاً من المحاور، فمتمردو سوريا صاروا من المحور السعودي، ومتمردو اليمن من المحور الايراني وهلم. ومع إعادة الانتفاضات إلى حظيرة السياسة القديمة، صارت القضايا مطبوعة بأسوأ القيم والنزعات، الطائفية والاثنية والمناطقية، وهكذا صار صار متمردو سوريا المدافعين عن المظلومية السنية، في مواجهة مظلومية شيعية يحملها أنصار المحور المضاد. ثمن التدجين كان غالياً، انفراط المجتمعات العربية وحروب أهلية.
وهذا التآكل امتد إلى كل المناح. اليوم، أن تكتب إمرأة اسمها أو تنشر صورتها أو تمتلك حقها في اختيار من تتزوجه أو حتى حقها في الحياة صارت قضايا الساعة.
هزيمة الربيع العربي الحقيقية ليست هزيمته الفيزيائية، إنما سحق أفق الحرية الذي اجترحه في لحظته الأولى، كاسراً قيد السياسة المفروض علينا. لقد قدم الربيع أفقاً للسياسة، السياسة كحرية وكإرادة شعب. وهذا التجاوز قام أساساً على كسر سياسة المحاور والقضايا الاستراتيجية والمظلوميات الأهلية. اليوم عدنا إلى المربع الأول، محاور وقضايا استراتيجية ومظلوميات وهويات أهلية (طوائف وجهويات) وصار الربيع نفسه جزءاً من هذه الصراعات.
مواطنون أحرار، أو سنة وشيعة ومقاومون وممانعون. هذان هما الخياران الذي علي الربيع اليوم أن يختار بينهما ولا يمكن له أن يجمعهما.
الانحياز للحظة التأسيس، لبراءة الميادين، ل "الشعب يريد" هو انحياز للخيار الأول.
مواطنون وأفراد أحرار، وشعوب حرة.
الهزيمة الحقيقية أن ما بقي من الربيع لم يعد يعدنا بمثل هذا الوعد.
Kommentare
Kommentar veröffentlichen