لينين والدولة الإسلامية

تماثل البنية الداخلية لخطاب الإسلاميين لحد بعيد تلك الخاصة بثوريي القرنين التاسع عشر والعشرين، فإذا تجاهلنا لوهلة القشرة الرقيقة للغة الإسلامية أو الاشتراكية فإننا سنجد أن المنطق الذي يحكم النقاشات الداخلية وإنتاج الأفكار متشابه لدى الطرفين. تبدو السجالات الثورية القديمة موزاية لتلك التي تدور اليوم بين الإسلاميين. 

انقسم الاشتراكيون إلى تعديليين وثوريين وتساجلوا حول القبول باللعبة السياسية البرجوازية (أي الديمقراطية البرلمانية) أو الالتزام بالثورة وإسقاط الدولة البرجوازية، وانقسم الثوريون على أنفسهم لاحقاً بين من يرغبون باستخدام أداتي للديمقراطية البرلمانية من أجل الثورة وأولئك الذين يرفضونها قطعاً لأن قبولها يعني القبول بالدولة البرجوازية نفسها، وظهر سجال لاحق بين من يرى الثورة حركة جماهيرية وبين من يراها نضال صفوة مختارة تستخدم العنف لدفع الجماهير إلى الثورة. ورافق هذا السجال سجال دائم بين أنصار الخيار الأممي الأقصى والذين يؤكدون على خصوصية كل منطقة وجماعة وضرورة أخذ هذه الحقيقة بعين الاعتبار في النضال. 

لكل هذه السجلات مقابلها الإسلامي بين الإخوان والقطبيين والسلفيين بتياراتهم المتنوعة، حول القبول بالديمقراطية والدولة المدنية أو الرفض القطعي أو الاستخدام الأداتي، حول الإصلاح التدريجي لأخلاق الأمة والعمل الدؤوب أو الرؤية التي تقوم على جهاد صفوة من المجاهدين، عالمية الجهاد أو القبول بالخصوصيات التي تحكم كل دولة.

لا غرابة في هذا التشابه، فالحركتان حركات سياسية تنتمي إلى العالم الحديث وتواجهان الدولة الحديثة وتسعيان إلى السيطرة عليها لتحقيق أهدافهما في إنجاز التغيير المنشود. الإسلام السياسي ابن عالمه المعاصر، وما اللغة الإسلامية والتدثر بعباءات الأحاديث وقصص السيرة النبوية إلا إيديولوجيا تخفي معاصرته وراهنيته.

تبدو فكرة الحرب الاهلية إحدى أشد الأفكار المتشابهة إثارة للاهتمام. كان تكتيك الماركسيين الثوريين قبيل الحرب العالمية الأولى هو الدعوة إلى استبدال حرب الدول الامبريالية التي بدت أنها قادمة لا محالة بالحرب الأهلية، حيث تثور كل بروليتاريا على برجوازيتها الوطنية. الحرب الوحيدة العادلة هي الحرب الأهلية، حرب البروليتاريا ضد البرجوازية. يعود هذا التصور للحرب بجذوره إلى الثورة الفرنسية كحرب شاملة تًخاض ضد النظام القديم في أوروبا. لاحقاً سيجعل ماركس من هذا التصور إطاراً شاملاً للتاريخ باعتباره حرب مفتوحة بين طبقات، وفي الحقبة الرأسمالية تكون الحرب بين البروليتاريا والرأسمالية ولن تنتهي هذه الحرب إلا بالقضاء التام عل البرجوازية، وهو ما سيحوله البلاشفة إلى شعار عملي عشية الحرب العالمية الأولى. 

للحرب الأهلية نهاية واحدة تتمثل بإنهاء الخصم بشكل كامل، هي حرب إبادة وهذا ما يميزها عن حروب الدول، الحروب التي نظر لها كلاوسفيتز باعتبارها استمرار للسياسة. حروب الدول تكون بين دول قومية، تعترف كل منها بحق الدول الأخرى بالوجود وشرعية هذا الوجود ولا تطرحه للمساءلة، فقد انقضى عهد الإمبراطورية التي تسعى لضم كل أوروبا أو العالم. بما أن الدولة القومية تنطلق من هذا الاعتراف بحق الدول الأخرى فإن الحرب عندها ليست إلا وسيلة لتحقيق أهداف محددة عجزت الديبلوماسية عن تحقيقها، أهداف يُحددها السياسي، وعليه فإن الحرب تبقى مضبوطة في مداها وخاضعة لقوانين وقواعد تحكمها، وهذا ما فهمه السوفييت تماماً بعد لينين. في المقابل تتوسل الحرب الأهلية منطقاً مغايراً، فبما أنها حرب إبادة لا تنتهي إلا مع إنهاء وجود الخصم، فإنها لا تكترث بالاعتبارات الأخلاقية وقوانين الحرب وهو أمر طبيعي تماماً، فإن كان وجودك نفسه مطروح على الصراع فلا يوجد ما هو أشد أخلاقية من الحفاظ عليه بأية وسيلة كانت. الحرب الأهلية لا تلتزم بمنطق وقوانين الدول لأنها لا تخاض أساسا بين دول ولا تلتزم بحدودها أو شرعيتها.

بالنسبة للبلاشفة كان العدو هو طبقة (البرجوازية) وغاية الحرب هي إبادة هذه الطبقة، لم تكن إبادة بيولوجية ولكنها مادية تماماً، إي إنهاء الشروط المادية التي تمكّن هذه الطبقة من إعادة إنتاج نفسها، وبالطبع فقد استلزمت هذه الإبادة الطبقية الكثير من الدم لتحقيقها.

أشار المؤرخ الألماني إرنست نولته إلى أن تصور النازيون للحرب كحرب إبادة عرقية يجد جذوره في التصور البلشفي للحرب كحرب إبادة طبقية. النازيون كما رأى نولته كانوا رد فعل على البلاشفة، ليس وحسب في الفضاء الفكري الذي خلقه البلاشفة، بل أيضاً كرد فعل على تهديد وجودي حقيقي مثله البلاشفة للطبقة الوسطى الأوروبية والتي تحتم عليها مواجهة هذا الخطر الوجودي والواقعي، وهكذا فإن معسكرات الاعتقال النازية تجد أصولها في الغولاغ الروسي.

في النهاية كان لدينا الحرب الأهلية الروسية والحروب الأهلية الصغيرة هنا وهناك في أوربا التي أعقبت المحاولات الثورية في المجر وألمانيا وغيرها، وصولاً إلى الحرب العالمية الثانية بوصفها الحرب الأهلية الكونية، حرب لم تلتزم بأعراف وقوانين وأهداف محدودة، بل هدفت إلى الإبادة الشاملة للخصم، وهو خصم لم يتجسد في دول بعينها، إنما كان عابراً للدول، خصم طبقي أو عرقي، صراع بين الفاشية والشيوعية، بين اليمين الثوري واليسار الثوري، انقسام عابر للأمم. بعد هزيمة النازية صرنا نسمي من انحاز إليها من أبناء الأمم الأخرى بالخونة ولكنهم لم يصبحوا كذلك إلا لأنهم هزموا.

يتبنى الإسلام الجهادي اليوم تصور مماثل للحرب. حرب الدولة الإسلامية هي حرب أهلية على مستوى العالم وليست حرب الدول القومية ولا تخضع لقوانينها، حرب لا تعرف حدوداً أو دولاً ولا تلتزم بما يقرونه من ضوابط وقوانين ناظمة للحروب. حرب لا تنتهي إلا بإبادة الخصم ولكنه هذه المرة مُعرف بالإحالة إلى عقيدته، الطاغوت ودول الكفر.

تتبنى حرب الدولة الإسلامية (وعموم الجهاديين) ذات منطق الحرب الثورية. ما يزيد خطورة هذا الشكل للحرب هو السؤال عن رد الفعل الذي قد يستدعيه. لا تبدو حرب الإسلاميين بمثل خطورة الحرب البلشفية، وهذا عائد إلى عجز وضعف العالم الإسلامي، القاعدة الثورية الممكنة للجهاديين، لكن هذا لا يعني الانتقاص من خطر الحرب المضادة الذي بدأنا نراه مع صعود اليمين الأوربي المتطرف والمعادي للمسلمين والمهاجرين واستخدامه لخطاب محارب ينهل من نفس التصور الذي يقدمه الإسلاميون لحربهم التي يخوضونها، حرب شاملة مُصاغة بلغة الحضارات والأديان، ولا تنتهي إلا بالهزيمة الشاملة والتحطيم التام للخصم.

السؤال الذي يًطرح هو ما الذي يمكن عمله في مواجهة بلاشفة عصرنا، الإسلاميين الجهاديين، وحربهم الأهلية العالمية دون أن ننجر إلى حرب أهلية مضادة تدعونا إليها الإسلاموفوبيا؟



جريدة الحياة


Kommentare

Beliebte Posts aus diesem Blog

التنوير الراديكالي وثورة العقل

اللانهاية ومفارقاتها