وجها الناصرية

إن أي نقاش حول الناصرية وإرثها يفتح الباب لمنازعات وسجالات سياسية عديدة، فالناصرية لم تُحال بعد إلى التاريخ بوصفها ظاهرة انقضت، فهي ما تزال حاضرة عبر إرثها الصريح ممثلاً بالدولة المصرية المعاصرة أو ضمناً عبر الدول العربية الأخرى التي اعتمدت استراتيجيات ناصرية بطريقة أو بأخرى. بل إن استعادة الدعاية الناصرية في صراعات الدولة المصرية المعاصرة يسمح بمساءلة الدعاية الشائعة عن انقطاع الناصرية عبر انقلاب السادات عليها.

للناصرية وجهان حاضران وبقوة، وهما لا يقتصران عليها بل نشهدهما وبدرجات متفاوتة في كل تجارب السلطويات الشعبوية التي سادت في الوطن العربي في منتصف القرن الماضي. الوجه الأول هو التقدمي المرتبط بتوسيع الحقوق الاجتماعية والاقتصادية وتعزيز المساواة وتحسين شروط حياة الطبقات الأكثر بؤساً وخاصة الفلاحين وتشكيل طبقة وسطى واسعة عبر توسيع التعليم والتوظيف. الوجه الآخر هو الاستبداد والقمع واحتكار السلطة لشخص الزعيم اولاً ولاحقاً للجيش والأمن وتأسيس دولة الجيش، أو دولة الأمن القومي، وما ترتب على هذا (أو رافقه) من هزائم مستمرة تعرضت لها الناصرية في حروبها. الناصرية قدمت وجهين، تقدمي على المستوى الاجتماعي والاقتصادي وآخر استبدادي على مستوى الحريات والسياسة.

اعتمدت الناصرية، كنظام شعبوي، على تحالف واسع يسمح بمواجهة نخبة النظام القديم. وقد حكمت متطلبات هذه المواجهة السياسات الاقتصادية الأولى للناصرية كالتأميم الذي هدف إلى تحطيم القاعدة الاقتصادية والاجتماعية لهذه النخبة. كذلك فإن الحاجة إلى إدامة وحفظ هذا التحالف حكمت السياسات الاقتصادية للناصرية لاحقاً فيما تعلق بتوزيع الثروة، وهو الجانب التقدمي الذي أدى إلى توزيع أكثر عدالة للثروة وتكبير نصيب الطبقات الدنيا والشعبية منها. يُضاف إلى هذا، السعي إلى فتح باب الترقي أمام الطبقات الاجتماعية الأدنى من خلال التعليم والتوظيف، مما سمح بتوسيع الطبقة الوسطى. كانت هذه الاستراتيجيات الاقتصادية محكومة وخاضعة للهدف السياسي للنظام، أي تعزيز سلطته من خلال حفظ وإدامة التحالف الذي استندت إليه الناصرية، مما عنى تقديم الشرط السياسي في الإدارة الاقتصادية على العقلانية الاقتصادية نفسها، بحيث أصبح الاقتصاد محكوماً بالسياسي.

لم يكن هذا التحالف الواسع تحالفاً ديمقراطياً، فلم تكن التعبئة تتم من تحت، بل -وكعادة الأنظمة الشعبوية السلطوية- كانت التعبئة تتم من فوق عبر الدولة نفسها التي صادرت السياسة واحتكرتها تماماً. لكن الدولة بدورها لم تتمأسس، لأن أية مأسسة لجهاز الدولة ستضع عاجلاً أو آجلاً حدوداً على سلطة الزعيم، الذي رغب بأن يكون تواصله مع الجماهير بشكل مباشر وعبر قنوات موازية وبديلة يمكن أن يلجأ إليها في مواجهة أي تحد قد يتعرض له، خاصة من داخل جهاز الدولة. إن الهدف من خلق أجهزة موازية داخل الدولة ومراكز قوى متعددة في مواجهة بعضها البعض مع تداخل في سلطاتها، وهو ما يبدو لاعقلانياً لمراقب خارجي، كان منع ظهور أي قوة تتحدى الزعيم كمركز بديل أو نشوء مؤسسة ذاتية ومستقلة يمكن أن تسير نفسها بنفسها.

لا يشكل هذان الوجهان جانبين متناقضين من التجربة الناصرية، بل هما وجهان متكاملان ومؤسِسان لها كتجربة سلطوية شعبوية. غير أن التحدي الأساسي الذي واجه السلطويات الشعبوية خلال تاريخها هو إدامة الموارد الاقتصادي التي تسمح بحفظ التحالف الاجتماعي الواسع الذي استندت عليه. ففي البداية ومع التأميم والاستثمار في مشاريع البنية التحتية والتعليم ومع أسعار مرتفعة للمواد الأولية في السوق العالمية كان من الممكن الحفاظ على سياسة توزيعية واسعة، لكن مع فشل مشاريع التصنيع والاقلاع الاقتصادي -فشل تعود أسبابه إلى طبيعة النظام نفسه، هيمنة السياسي وشروط الولاء المترافق مع عدم الكفاءة والرشوة الطبقية ونشوء أوليغارشية جديدة مسيطرة على جهاز الدولة- يصبح من العسير إدامة الثروة ومصادر الدخل التي يمكن توزيعها بما يحفظ هذا التحالف. فكانت النتيجة أن الكعكة التي سيتم توزيعها نقص حجمها وبشكل متزايد بالنسبة إلى من سيتم توزيعها عليهم، وعادة ما تم السعي إلى حل هذه المعضلة عبر تبني سياسات انفتاح اقتصادي هدفت إلى تخفيف مسؤولية الدولة من جهة وتحقيق إقلاع اقتصادي عبر القطاع الخاص من جهة أخرى. وهي السياسات التي نتج عنها تفاوت هائل في الثروة ونشوء طبقة أغنياء جدد فاشحة الثراء من أناس مرتبطين بالسلطة ورجالها، إن لم يكونوا من أبنائهم وأقربائهم مباشرة.

ما يميز الناصرية في هذا السياق أن المؤسس رحل قبل أن يشهد بنفسه هذا الاستعصاء، غير أن التجربة المصرية شهدته مع تولي السادات، كما شهدته التجارب السورية والعراقية والجزائرية والليبية وغيرها. هذا الرحيل المبكر، الذي ترافق مع تراجع السادات عن الشعارات الناصرية، سمح بتنصل الناصرية كايديولوجيا من ما ترتب على هذا الاستعصاء وتقديمه وكأنه ليس نتاجاً لسياسات الناصرية نفسها بل لخيانتها. طبعاً، ما يتم التغاضي عنه هو النظام الذي سمح لخونته بالوصول إلى قمة الهرم السياسي والعسكري له، بما مكنهم من وأده ودون أن يتم كشفهم. لكن الخيانة لن تكون سبباً مفسِراً، إن تذكرنا أن هذا الوضع نفسه سنشهده لاحقاً في تجارب السلطويات الشعبوية الأخرى في العالم الثالث، كما نشهده الآن أيضاً في فنزويلا مع التجربة البوليفارية. إن الفصل بين وجهي الناصرية ليس سوى قراءة إيديولوجية لا تستند إلى واقع التجارب الشبيهة بها وما نتج عنها، بل تستفيد من الرحيل المبكر لعبد الناصر من أجل تبرير خيارات سياسية دون الالتفات إلى كل بنية النظام السياسي الذي تولى تنفيذ هذه السياسات.

إن السؤال الذي يجب الإجابة عنه هو، هل كان من الممكن للسياسات الاجتماعية التقدمية للناصرية أن تخلق لاحقاً بيئة داعمة للديمقراطية وإطلاق تنمية اقتصادية مستدامة؟ أعتقد أن الإجابة المرجحة هي بالنفي. فما الذي سيدفع الأوليغارشية البيروقراطية (الاشتراكية) إلى التخلي عن سلطاتها الهائلة التي كسبتها عبر سيطرتها على جهاز الدولة؟ وكيف يمكن لإقلاع اقتصادي مستدام ومترافق بنجاح التصنيع أن يتحقق في ظل هيمنة السياسي التامة على الاقتصادي، وتقدم الولاء على الكفاءة؟ إن النجاح في تحويل الجانب التقدمي للناصرية إلى مشروع وطني وديمقراطي لم يكن ممكناً من داخل النظام الناصري نفسه، بل من خارجه كما عبرت عنه الهبات الشعبية والطلابية التي بدأت بعد هزيمة 67 واستمرت خلال العقد الأول من عهد السادات، وهي هبات واجهها النظام الناصري بالقمع.

في المقابل، فإن العديد من مناهضي الناصرية يرغبون برمي كل شيء ووصمه بالفشل، وضمناً السياسات الاجتماعية والاقتصادية التقدمية لعبد الناصر، متغاضين عن السؤال الآخر، هل من الممكن القيام بتنمية اقتصادية مستدامة وبناء نظام ديمقراطي دون حد أدنى من التوزيع العادل للثروة ووجود سوق وطني واسع يحفظ التنمية الاقتصادية وعملية التصنيع؟ الإجابة المرجحة هي أيضاً بالنفي.

إن وجها الناصرية لا يمكن فصلهما من داخل النظام الناصري، ولكن هذا لا يعني إنه لا يمكن فصلهما من خارج الناصرية نفسها. إن التحدي اليوم، عربياً، يدور حول بناء سياسة شعبية وديمقراطية دون الانزلاق بسهولة إلى مغريات السلطويات الشعبوية مثل الناصرية مرة أخرى، متخليين عن الديمقراطية والحرية باسم العدالة والسيادة.



جريدة الحياة


Kommentare

Beliebte Posts aus diesem Blog

التنوير الراديكالي وثورة العقل

اللانهاية ومفارقاتها