الحلف غير المقدس


تظهر العمليات الإرهابية "الدولة الإسلامية" تحولاً ملفتاً مقارنة مع الشكل المعتمد سابقاً من قبل القاعدة. لم تعد الدولة الإسلامية تستهدف مراكز مهمة فعلياً أو رمزياً لدى النظام العالمي مثل القواعد العسكرية أو السفارات أو حتى أبراج التجارة. هي تستهدف، وبشكل عشوائي، أناس عاديين في أماكن عامة، في الشارع أو السوق أو حتى في الملاهي الليلية والمسارح. في السابق انتقت الحركات الإرهابية أهدافها اعتماداً على القيمة السياسية للهدف والتي يمكن تحديدها بحسب الإيديولوجية التي تتبناها الحركة، وعليه فإن قائمة الأهداف كانت قابلة للتوقع، الأمر الذي جعل من حماية وتأمين الأهداف مسالة ممكنة. لكن عندما تصبح الشوراع والأسواق العامة والملاهي الليلية أهدافاً، فإن أية استراتيجية حماية ستبدو نافلة وعديمة القيمة. ويزداد الوضع سوءاً عندما تكون الأسلحة المستخدمة أشياء عادية تماماً مثل سيارة شحن، كما حصل في نيس وبرلين، عوضاً عن أسلحة فعلية اعتادت الحركات الإرهابية على استخدامها يوما.

تحول آخر طرأ على صورة من يتولى تنفيذ هذه العمليات، فهو لم يعد ذلك المقاتل المتمرس صاحب التأهيل والالتزام الدينيين العاليين، بتعبير آخر لم يعد مقاتلاً إيديولوجياً. إرهابيو الدولة الإسلامية يقدمون صورة مغايرة، هم حديثو التدين ولديهم عموماً تاريخ سيء وحتى إجرامي، لجهة المخدرات والقمار والعديد من المشاكل الأخرى، قبل تدينهم المستجد. كما أن الفترات التي تفصل بين تدينهم وتطرفهم ولاحقاً القيام بعملياتهم قصيرة وتكاد معدومة في عدد من الأحيان.

الصورة الجديدة لإرهابيي الدولة الإسلامية، أو الذين ينضوون تحت رايتها، جعلت من استراتيجيات التعقب والملاحقة محدودة الفائدة. فهم ليسوا أناس أصحاب تاريخ طويل في ممارسة العقائد التي يؤمنون بها أو سبق لهم تلقي تدريبات طويلة وإعداد عقائدي عالي. استراتيجية الدولة الإسلامية في انتقاء مقاتليها ألغت وبشكل كبير المسافات الفاصلة، والتي كانت موجودة في السابق، بين الجهادي والمسلم المتدين، والسلفيون منهم، والمسلم العادي.

في السابق كان هدف الحركات الإرهابية، وضمناً القاعدة، ضرب العدو وتحييد من يفترض بهم أن يكونوا جمهور الحركة. وقد مكن هذا من رسم خط فاصل بين العقائديين، الذين يشكلون مقاتلي الحركة، والجمهور الافتراضي للحركة. كما مكن أيضاً من رسم خط فاصل آخر بين الأعداء الذين تجب محاربتهم وتُنفذ العمليات ضدهم، ومن يفترض تحييدهم حتى لو لم يكونوا من جمهور الحركة أو حتى أنهم ضمن خانة الأعداء دون أن يستتبع هذا تحولهم إلى أهداف. النزاع كان حرباً بين جماعة من المسلمين المقتنعين بعقيدة محددة، القاعدة مثلاً، ونظام دولي محدد، ولكنها ليست حرباً بين المسلمين وغيرهم.

بفضل هذين التحولين في استراتيجية الدولة الإسلامية فإن الحرب قد تحولت، وفي العمق، لتكون حرباً مطلقة. فالحرب آلت من حرب تخوضها جماعة ذات إيديولوجية محددة (السلفية الجهادية) ضد نظام هيمنة إلى حرب بين كل المسلمين والآخرين. لم تعد الأهداف تُحدد بأي معيار سوى كونها موجودة في دار الكفر ومن تستهدفهم كفار برغم أن الضحايا قد يكونوا مسلمين. كذلك ومع الإنمحاء المتزايد بين صورة الجهادي العقائدي والمسلم العادي سيُصبح كل مسلم مشروع إرهابي.

يبدو أن هذه الحالة من الحرب المطلقة بين المسلمين والآخرين هي هدف الاستراتيجية التي تنتهجها الدولة الإسلامية، فبفضلها تتحول كل أرض إلى أرض توحش للمسلمين، بحيث يصبحون مستهدفين لا لشيء إلا لأنهم مسلمون. عندها لا يبقى لهم من ملاذ إلا الدولة الإسلامية لتحميهم وتدافع عنهم. وهي ستقول لهم: ألا تروا أن الجميع أعدائكم ويرغبون بقتلكم لأنكم مسلمين.

بالمقابل تلاقي الإسلاموفوبيا جهود الدولة الإسلامية على الضفة الأخرى. يكمن هذا التلاقي في الاتفاق على صورة متماثلة للإسلام، إسلام متوحش يخوض حرباً دائمة مع أوروبا. تتفق الإسلاموفوبيا مع أبو بكر البغدادي على شيء أساسي وهو أن أبو بكر البغدادي هو الممثل الحقيقي للإسلام. فهي تروج لفكرة أن كل ما نراه من عمليات إرهابية وقتل ومذابح هي نتاج ضروري للإسلام وتعبير عن حقيقته، وأن كل مسلم هو مشروع إرهابي لن يطول به الوقت ليكشف عن حقيقته، وها هو ترامب يصرح مباشرة بعد عملية برلين بأنه كان على حق في مطالبته بتقييد سفر المسلمين إلى أمريكا.

لم يعد من المفيد الإختفاء خلف إصبعنا أمام هذه التحولات والتصريح بأن هذا لا يمثل الإسلام. بالتأكيد لا يمثل المسلمين، ومن المهم هنا الإشارة إلى أن حركة بيغيدا المعادية للمسلمين في ألمانيا لا تجد جمهورها في المدن الكوسموبوليتية التي يوجد فيها تعدد ثقافي وحضور عالي للمسلمين، بل في المدن الأصغر وذات الحضور الإسلامي المتواضع. العديد من أنصار بيغيدا لم يتعرفوا وبشكل شخصي إلى مسلمين. بالمقابل فإن الناس في المدن الكبيرة عموماً، والذين لهم صلات شخصية مع مسلمين، يدركون وبحكم المعاشرة التنوع الهائل بين المسلمين أنفسهم، ككل البشر الآخرين، مما يجعلهم أقل تأثراً بدعاية بيغيدا.

لكن أيضاً الإصرار على أن هذا لا يمثل الإسلام لا يفيد في الوقت الذي لا ينجح المسلمون فيه بتقديم نماذج إيجابية ومضيئة في مواجهة الحركات السلفية الجهادية. فكيف لنا أن نتحدث عن نموذج إيجابي مع التخلف والجهل والتدهور الكبير في حقوق الإنسان واستباحت كرامته في بلادنا. الأسوأ هو الضعف الأخلاقي وانعدام الأمانة الذي يتجلى في حديثنا مع الآخرين. ندافع عن حقوق المسلمين في الدول الأوربية، وهي أفضل بما لا يقاس من حقوقهم في بلادهم الأصلية، ونحتج على انتهاكها، دون أن نأبه لذات الحقوق وانتهاكها المضاعف مرات ومرات للمسلمين وغيرهم في بلادنا. لا يمكن لنا أن نحتج باسم حقوق الإنسان ونرفضها في ذات الوقت. أو أن نكذب صراحة ونستخدم لغتين في الحديث إلى العالم، وهناك مثال مفيد من الثورة السورية وهو زهران علوش قائد جيش الإسلام قبل مقتله. ففي خطبة له يصرح بأن الديمقراطية كفر وهو يكفر بها جملة وتفصيلاً ولا حل إلا بالإسلام السني وباقي الأديان وحتى بقية المذاهب الإسلامية باطلة. لكنه لاحقاً وفي مقابلة بالإنكليزية مع جريدة أمريكية (Beast The Dailly, 12.16.15) تحدث بشكل مختلف تماماً، مصرحاً بأنه لم يقصد الديمقراطية بذاتها، ومع حكم تكنوقراط يمثل كل الشعب السوري بتنوعاته. كيف للعالم أن يصدقنا ونحن نتحدث إليهم بهذه الطريقة؟

في مواجهة هذا التحالف غير المعلن بين الدولة الإسلامية والإسلاموفوبيا، ومع غياب النموذج الإسلامي المضاد والمتنور، تبقى دولة القانون "الغربية" الحصن الأخير في مواجهة الكارثة بتأكيدها على المسؤولية الفردية وحقوق الإنسان والتقيد بالقانون العادل، وللمسلمين قبل غيرهم. لكن إلى متى تبقى قادرة على الصمود في مواجهة كل هذا الجنون؟


جريدة الحياة

Kommentare