الدولة العربية واستباحة العرب
رغم بشاعة ووحشية قصف النظام السوري لخان شيخون بالسلاح الكيميائي، فإنها ليست لحظة متفردة واستثنائية في تاريخ الحرب السورية، فقد سبق للنظام واستخدم السلاح الكيميائي في الغوطة. كما أن الوحشية ليست متفردة بالهجوم الكيميائي، فما الذي يمكن قوله عن سجن صيدنايا، المسلخ البشري، وعن قصف المدن والمشافي بالبراميل، وقبلها قصف طوابير الواقفين على المخابز.
خان شيخون ليست فريدة في الدلالة على وحشية النظام، إنما هي مرة أخرى تُضاف إلى سابقاتها، ولكن وحشية النظام نفسه تبدو فريدة. لكن ليس تماماً، فإلى جانب السوريين هناك العراقيون مع صدام، الليبيون مع القذافي، الجزائريون مع نظام الجنرالات خلال الحرب الأهلية الجزائرية كأمثلة وحسب.
الفريد هو العنف الذي تمارسه الدول العربية ضد شعوبها، المستباحة تماماً أمام وحشية جلاديها دون أمل ودون حماية ليفعلوا بها ما يشاؤون. جانب من هذه الاستباحة يفسره التواطؤ وغض النظر الذي تحظى بهما هذه الدول في قمع شعوبها، وخاصة من قِبل شقيقاتها قبل أي أحد آخر. تواطؤ يجد تفسيره فيما قاله يوماً حجي مارع، عبد القادر صالح، قائد لواء التوحيد وأحد شهداء الثورة السورية وأيقوناتها "الدول كلها عم تربي شعوبها فينا".
يبقى السؤال فيما يتعلق بالدولة العربية، كيف لنا أن نفسر كل عنف ووحشية الدولة العربية في تعاملها مع شعبها؟
من الأشياء الملفتة في هذا العنف هو الصلابة التي أظهرتها الجيوش العربية في مواجهة شعوبها، صلابة لم نشهدها في أي من حروبها الخارجية، التي طالما انتهت بكوارث عسكرية. فلو أظهر الجيش السوري من الصمود والجلد في مواجهة إسرائيل عُشر ما أظهره في حربه على شعبه، لما مني بتلك الهزائم. الشيء الوحيد الذي يفسر هذه الصلابة هو أن هذا الجيش يرى في شعبه عدواً حقيقياً وتهديداً وجودياً عليه، لم ير مثله في إسرائيل. الدولة العربية ترى في شعبها العدو الحقيقي وهذا ما يفسر مقدار هذا العنف، ولكن ما هذه الدولة التي ترى في شعبها عدواً؟
ربما تكون المقارنة مع الدولة الحديثة مفيدة، خاصة أن الدولة الحديثة لم تتورع عن استخدام مقدار مهول من العنف، وهي التي جعلت استخدام العنف على هذا المستوى من اتساع المدى والكفاءة ممكناً.
غير أن هناك ما يميز عنف الدولة الحديثة عن عنف الدولة العربية. يُفهم عنف الدولة الحديثة من داخل فكرة الدولة الحديثة عن نفسها باعتبارها صاحبة السيادة التامة على مجتمعها، أو كما يعرفها بيير بورديو: احتكار كل الاحتكارات، وقبل كل شيء احتكار الرأسمال الرمزي والذي يحيل إلى مصادر الشرعية. عنف الدولة الحديثة يسعى إلى تحقيق وصيانة هذه السيادة الخاصة بالدولة، مما يجعل من العنف وسيلة ويسمح بضبطه داخل علاقة الشرعية التي تربط بين الدولة وشعبها. فهو عنف عقلاني وبمقادير محسوبة وبغرض تحقيق أهداف محددة من قِبل الدولة. قد يكون الهدف وحشي تماماً، تحقيق تجانس الأمة وإلغاء أية اختلافات ضمنها، كما حصل في الهولوكوست. لكن حتى في هذه الحال فإن هناك أهداف محددة وحساب عقلاني للعنف، والذي ما أن يصل إلى هذا المستوى غير المسبوق حتى يكون الخاضعون له أغياراً وليسوا جزءاً من شعب الدولة.
بالمقابل فإن عنف الدولة العربية ثأري وانتقامي ولا توجهه غاية سوى الرغبة في قتل الخصم، عنف قبيلة ضد أخرى. الدولة العربية لا تحمل أي مشروع سياسي يسمح بإضفاء الشرعية عليها وعلى ما تمارسه من عنف. بل إن الطبيعة التدميرية لهذا العنف مثيرة، فالعنف يدمر المجتمع الذي يفترض أنه يسمح لهذه الدولة بإعادة إنتاج نفسها، وإنتاج من يمكن لها أن تنهبه. هذا المقدار من العنف يسمح للمرء بالادعاء أن لا علاقة أو شعور بالانتماء تجمع بين الدولة العربية وشعبها، فالعلاقة بينهما من نوع العلاقة التي جمعت المستعمِر والمستعمَر.
المقاربة الأخرى التي تستحق لفت الانتباه هنا هي الطبيعة المملوكية للدولة العربية. المماليك، الأرقاء الذين أصبحوا حكاماً، منقطعو الصلة بالمجتمع الذي يحكمونه، مما يجعل منهم ومن المجتمع الخاضع لهم شريحتين منفصلتين وغريبتين عن بعضهما البعض ولا يجمعهما أي شعور بالولاء، الولاء الوحيد هو الذي يجمع المماليك ببعض. وبحكم أنهم طبقة منفصلة من المحاربين، فإنهم نادراً ما يولون اهتماماً لتطوير المجتمع الذي يحكمونه. عائداتهم هي نهب داخلي في شكل ضرائب مجحفة وابتزاز أو نهب خارجي عبر الحروب التي يشنونها. العلاقة التي تجمع بين المماليك والمجتمع هي علاقة الخضوع والعداء، فالمماليك لن يسعوا إلى امتلاك شرعية لدى هذا المجتمع، وهم يعرفون أنهم لن يحصلوا عليها من هذا المجتمع الغريب. المجتمع عدو يجب قمعه بكل شدة، وصولاً إلى إبادته إن تطلب الأمر، إن تجرأ ورفض الخضوع لحكمهم. صورة حكم الماليك، وهي صورة منمذجة وليست بالضرورة تاريخية تماماً، هي حكم يشوبه التسلط والفساد والانحطاط.
حال الدولة العربية يبدو شبيهاً بشكل كبير بالحكم المملوكي لجهة الفساد والتسلط والعداء تجاه المجتمع الذي تحكمه وانعدام أية إمكانية للشرعية من أفق هذه العلاقة، كذلك استخدام عصبيات أهلية أو عسكرية في بناء "جماعة النظام" لتكون في مواجهة الشعب. بل إن الدولة العربية والمملوكية تشتركان في سمة ستبدو غريبة في عصرنا الحالي وهي القدر الكبير من الاستقلال الاقتصادي والبشري تجاه مجتمعهما. تقدم الحرب السورية مثالاً ممتازاً لاستقلال الدولة عن مجتمعها. فتكلفة الحرب السورية كانت غير ممكنة التحمل، اقتصادياً أو بشرياً، ولكن تبين أن قدرة الدولة في هذين الجانبين مستقلة عن مجتمعها، حيث التمويل الاقتصادي كما البشري موضوعان خارجيان تماماً، فقد تولت إيران وروسيا الشق الاقتصادي والتسليحي، فيما تولت إيران والميليشيات الشيعية التابعة لها مسؤولية الجانب البشري في حرب النظام السوري.
برغم هذا التشابه فإن هناك اختلافين مهمين، يتمثل الأول بمقدار العنف الذي تتوفر عليه الدولة العربية مقارنة بالمماليك وذلك بفضل التقنيات الحديثة. والثاني هو المدى الواسع لممارسة العنف والوصول إلى مجالات مرتبطة بالحياة اليومية كانت مستعصية على الحكم ما قبل الحديث، كما تتجلى في ممارسة الأمن والمخابرات. فالمماليك تركوا المجتمعات التي حكموها لتحيا وفقاً لتقاليدها الخاصة حيث أدار الزعماء المحليون الحياة الداخلية للمجتمعات المتنوعة، واقتصر حكمهم على السلطة العسكرية وتحصيل الأموال. لكن الدولة العربية لم تكتف فقط بهذا المقدار من الحكم، بل سعت إلى الوصول إلى كل حيز في حياة هذه المجتمعات لتمارس سلطتها عليه، وهو ما يجمعها بالدولة الحديثة وهذا لم يكن ممكناً دون القدرة التقنية والتنظيمية التي سمحت بها الحداثة، لكن أيضاً باختلاف عن الدولة الحديثة فهو يتم دون أي أفق للشرعية أو المشروع السياسي الذي يمكن له أن يصبح أساساً لشرعية وعقلانية ما، قد تحوزها الدولة العربية لاحقاً.
الدولة العربية، والتي أسماها ياسين الحاج صالح في دراسته لدولة الأسد ب"الدولة السلطانية المحدثة"، هي دولة مملوكية بقدرات الدولة الحديثة، جامعة أسوأ ما في التقليدين دون حسناتهما، لهذا يبدو عنفها منفلتاً وفريداً. عدو العرب الأول ليس سوى دولهم.
جريدة الحياة
Kommentare
Kommentar veröffentlichen