الديمقراطية والتحدي الإسلامي

 إن التداخل بين إجهاض العملية الديمقراطية بعد الربيع العربي وظهور التحدي الإسلامي، وهو أمر سبق حدوثه في الجزائر، يفتح الباب أمام أسئلة تدور حول إمكانية الديمقراطية مع هيمنة الإسلاميين، يما يمثله الأخيرون من تهديد مفترض للديمقراطية وحتى للسلم الاجتماعي. كيف لنا أن نستوعب ونفهم التحدي الإسلامي في ضوء السؤال الديمقراطي، ونفسر الهيمنة التي يملكها الإسلاميون، الذين يُفترض أنهم معادون للقيم الديمقراطية.

إن تعذر فهم التحدي الإسلامي لا ينبع من لغز محيط به، بل من التباس متعلق بالمبدأ الديمقراطي نفسه. فتعذر فهم الإشكالية الإسلامية ينبع من عدم الفصل بين الفهم الليبرالي للديمقراطية وبين الديمقراطية نفسها، بين المبدأ الليبرالي والمبدأ الديمقراطي. يعود هذا إلى الهيمنة التامة التي حققها الفهم الليبرالي للديمقراطية خصوصاً بعد سقوط دول "الديمقراطية الشعبية".

خلال العشرينات ومع تعثر الديمقراطيات الليبرالية في مواجهة صعود الأنظمة الشيوعية والفاشية، اعتبر كارل شميت -في كتابه "أزمة الديمقراطية البرلمانية"- الديمقراطية البرلمانية محكومة بالفشل لأنها تقوم على مبدأين متناقضين المبدأ الديمقراطي القائم على المساواة والهوية وحكم الأغلبية والمبدأ الليبرالي القائم على حرية الفرد.

يهدف المبدأ الديمقراطي إلى تحقيق التماهي بين الحاكم والمحكومين والتجانس بين جميع المنتمين إلى الأمة. لا تشترط الديمقراطية الشكل التمثيلي لتحقيقها، فقد تتحقق -بحسب شميت- في أنظمة سلطوية كالفاشية والشيوعية وهي أنظمة غير ليبرالية لكنها ليست بالضرورة غير ديمقراطية. بسعيها إلى التجانس والتناغم، تنتصر الديمقراطية للعام الذي لا يُرد إلى الإرادات الفردية ومصالحها وتوافقاتها الاعتباطية والظرفية.

على النقيض من المبدأ الديمقراطي يركز المبدأ الليبرالي على الفرد وحريته بوصفه معطىً أولياً ننطلق منه ونؤسس عليه. يستند تصور الليبرالية للعالم إلى أفراد أحرار متساويين وذلك بمعزل عن أصولهم الاثنية أو الثقافية أو خياراتهم الشخصية، أفراد يسعون إلى تحقيق مصالحهم الخاصة وتقرير حياتهم دون تدخل من أحد. ومن أجل صيانة حرية الأفراد وضمانها، تشدد الليبرالية على الفصل بين المجال العام للدولة، الدولة التي يجب تقييد قدرتها على التدخل قدر الإمكان، والمجال الخاص للأفراد وما يتضمنه من ملكية خاصة وقيم دينية وأخلاقية. تعول الليبرالية على أنانية الفرد نفسه من أجل تحقيق الخير العام، فالليبرالي لا يتخيل ِشأناً عاماً لا يكون سوقاً، بحيث يصبح البرلمان نفسه سوقاً للمناقشات والتنافس في الأفكار بين الأفراد. لهذا رفض شميت أن تكون الديمقراطية محض مسألة إجرائية لتظهير أغلبية من آراء "أفراد"، فالليبرالية ليس لديها ما تقوله بصدد السياسة والدولة، بل هي نقد للسياسة والدولة. أسطورة الليبرالية القائمة على "الفرد الحر" عاجزة عن استيعاب السياسة. لم يقيض للديمقراطية الليبرالية الاستقرار إلا عندما فصلت بين المجالات المختلفة للوجود الإنساني وأحالت المسائل الاقتصادية والدينية والأخلاقية إلى الحيز الخاص حتى تنجح في تحييد مصادر النزاع على المستوى السياسي.

المبدأ الديمقراطي يقوم على سيادة الأغلبية، أياً يكن فهمنا لهذه الأغلبية، والنظام الديمقراطي هو النظام الذي يضمن التحقق السياسي لهذه السيادة. بالمقابل يقوم المبدأ الليبرالي على أولوية حريات الأفراد في مواجهة أي نظام سياسي. وهذا ما يجعل من الديمقراطية والليبرالية متناقضتان لاختلاف نقاط الانطلاق، الجمهور (أو الشعب) في مواجهة الفرد. نقد شميت وعدائه لليبرالية لم يكن حكراً على اليمين، بل كان له صداه في أوساط يسارية مناهضة لليبرالية، وإن تمت صياغته بلغة مغايرة.

سقطت الديمقراطيات الليبرالية بين الحربين تحت وطأة التعارض الذي رصده شميت، لكنها ازدهرت لاحقاً بعد الحرب العالمية الثانية.  فما اعتبره شميت تعارضاً مطلقاً، لم يكن كذلك، فقد ظهرت إمكانية الجمع بين المبدأين في الديمقراطيات الليبرالية في إطار ثقافة سياسية تقوم على أولوية الأفراد وحقوقهم الطبيعية غير القابلة للانتقاص.

إن التناقض الممكن الذي رصده شميت بين الديمقراطية والليبرالية يفيدنا في فهم السياق السياسي الذي تتحرك داخله الحركات الإسلامية. فهي أعلنت قبولها بالمبدأ الديمقراطي بوصفه سيادة الأغلبية، لكنها تعارض في الوقت ذاته المبدأ الليبرالي. 

يقدم النقاش حول المبادئ مافوق الدستورية في مصر مثالاً ممتازاً لمقاربة هذه المعضلة. كانت المبادئ مافوق الدستورية صياغة أخرى "للحقوق الطبيعية" التي لا يمكن لأي نظام سياسي أن ينتهكها. الحقوق التي ينطلق منها الخطاب الليبرالي كأساس لأي نقاش جدي حول الديمقراطية، وهو ما أكد عليه الليبراليون المصريون. بالمقابل اعتبر الاسلاميون تثبيت هذه الحقوق بشكل مُسبق مصادرةً لإرادة الأغلبية وفرض فوقي لقيم معينة دون استفتاء عليها، وعليه فقد طالبوا باخضاع كل خلاف لاستفتاء الأغلبية. وقتها، رأى الليبراليون في سلوك الإسلاميين تهديداً للديمقراطية، لكن ما فعله الاسلاميون كان انتصاراً للمبدأ الديمقراطي على المبدأ الليبرالي، انتصاراً لمبدأ الهوية والتجانس على "حرية الأفرد".

تشكيل الأغلبية، التي يدعي الإسلاميون الحديث باسمها، اعتمد أساساً على تسييس البعد الأخلاقي ونقله من المجال الخاص إلى المجال العام. فتخضع المعايير الأخلاقية التي تحكم السلوك الشخصي لإرادة الأغلبية، وعملياً لسلطة الدولة وتدخلها. لكن تسييس الأخلاقي حمل تهديداً جدياً للعديد من الجماعات التي لا تشاطر الأغلبية "أخلاقها" اليومية والتي يصبح نمط حياتها -بذلك- مهدداً بإرادة الأغلبية من ناحية، ومن ناحية أخرى قسم الجماعة الوطنية على أساس ديني، حيث يتداخل الأخلاقي بالديني، وهو ما فجر سؤال الجماعة الوطنية وهويتها وخطاب الدولة القائم على المساواة بين جميع المواطنين.

اعتماد المبدأ الديمقراطي، سيادة الأغلبية وتحقيق التماثل بين الحاكم والمحكومين وتعريف هذه الأغلبية على أساس تسييس البعد الأخلاقي القابع في صميم الحيز الشخصي، مزق فكرة الجماعة الوطنية الخاصة بالدولة إلى أغلبية في مواجهة أقليات تنظر برعب إلى سيادة الأغلبية باعتبارها تهديد مباشر لها.

الإسلاميون لم يرفضوا المبدأ الديمقراطي -لنتغاضى حالياً عن مسألة السيادة التشريعية- بل دفعوه إلى أقصاه في مجتمع منقسم حول القيم الأساسية للحياة الجيدة. ما رفضه الإسلاميون في المقابل هو المبدأ الليبرالي الذي يكرس ويضمن وجود حقوق أساسية لا يمكن انتهاكها من قبل أي نظام سياسي، بما فيه النظام الديمقراطي. فالمآل الطبيعي للخيار الذي ينشده الإسلاميون في هذا السياق هو استبداد الأغلبية.

المعضلة التي واجهها الليبراليون بالمقابل تمثلت بغياب أي شعبية للمبدأ الليبرالي، بحيث يكون مؤسِساً في الثقافة السياسية العامة، بما يُمكّن من بناء ديمقراطية ليبرالية تؤَمن أغلبيات لا تشكل تهديداً للأفراد وتضمن استقلال المجال الخاص، والأخلاق في القلب منه.

التحدي الإسلامي ليس إسلامياً، بل هو تحدي الجمع بين الديمقراطية والليبرالية. التحدي الذي نواجهه بشكل متزايد على مستوى عالمي مع صعود الشعبويات والشك المتزايد بالنخب السياسية والقيم الليبرالية التي لا يظهر أنها تبدي اكتراثاً واهتماماً بالطبقات الدنيا، بل أنها تُستخدم وبشكل متزايد لحماية من هم فوق. في الحالة العربية يزداد هذا التحدي مع انقسام المجتمع إلى جماعات أهلية وأنظمة قيمية متباينة، بجوار أنظمة سياسية مستبدة تسعى إلى دفع هذه الجماعات إلى مواجهة بعضها البعض.

شميت محق في أن الديمقراطية والليبرالية ليستا متوافقتين بشكل طبيعي، بل قد تكونا متعارضتين تماماً. في المقابل علينا أن نتذكر أن الفصل بينهما لم يقد إلا إلى خسارتهما معاً.


جريدة الحياة

Kommentare

Beliebte Posts aus diesem Blog

التنوير الراديكالي وثورة العقل

اللانهاية ومفارقاتها