Posts

Es werden Posts vom März, 2022 angezeigt.

الإسلام السائل

 يعود مفهوم «السيولة» إلى أعمال عالم الاجتماع زيجمونت باومان، وهو معبر جدًا على مستوى الاستعارة للموضوع الذي يناقشه المقال. فالسيولة تشير إلى استعصاء الإمساك بالظاهرة وتحديدها، فهي، لسيولتها، تنجح دومًا في الهرب من بين أصابعنا، فلا نستطيع الإمساك بها وإعطاءها محتوى وشكلًا محددًا، بل تتغير وتتحول دومًا وبحسب الإناء الذي نضعها فيه. السيولة تشير لعدم القدرة على ضبط وتقديم وصف محدد للمحتوى. لكن تفيد أيضًا معنى «الانتشار»، فالسائل ينتشر في كل مكان دون أن يشغل حيزًا واضحًا ومحددًا مثل الجسم الصلب. بالإحالة إلى السيولة كاستعارة، يمكن الحديث عن سيولة الإسلام بوصفها مفارقة في ثلاثة أوجه. لن نختلف في أن الإسلام يتمتع بسطوة هائلة على حياة المسلمين، فغالبية ساحقة ومتزايدة من المسلمين تعلن أن سلوكها واعتقاداتها ومواقفها مشتقة من تعاليم الإسلام وما يفرضه عليها؛ إنها تحيا بحسب ما يمليه الإسلام. الآخرون، من غير المسلمين، يعتمدون بدورهم على الإسلام في تعريفهم لأعداد هائلة من البشر، فهم مسلمون، ولأنهم مسلمون يفعلون هذا وذلك. ربما، تكفي نظرة سريعة إلى أخبار «الجزيرة» ليرى المرء شدة حضور الإسلام باعتب...

سوسيولوجيا الإسلام ومعادلة المعرفة والسلطة

  يمثل كتاب «سوسيولوجيا الإسلام: المعرفة والسلطة والمدنية»، لأرماندو سلفاتوري، وترجمة ربيع وهبة. وقد صدر عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر – بيروت 2017، الجزء الأول من ثلاثية ستصدر تباعًا. يسعى سلفاتوري من خلالها لتقديم سوسيولوجيا الإسلام. لكن وقبل عرض الكتاب سأقدم بعض الملاحظات المتعلقة بالشكل الذي أتى عليه الكتاب. يواجه المرء العديد من المقاطع والعبارات المصاغة بشكل شديد التعقيد، بذريعة أنها تحيل إلى عمليات ودينامية تاريخية معقدة بدورها، إلا أنها تفشل في النهاية في تقديم تصور واضح ومفهوم عما تصفه أو تشرحه، حيث تخفي اللغة المعقدة ضعف المحتوى الذي تقدمه. وهكذا سنقرأ مقاطع عديدة تخبرنا عن عدم قابلية التنبؤ والتفاعل والتقاطع والتداخل والدينامية وكلمات أخرى شبيهة، يضاف لها طبعاً إحالة منتظمة إلى أعمال فوكو وقضايا السلطة والمعرفة، دون أن تخبرنا في النهاية شيئًا مفهومًا وواضحًا بصدد الموضوع المفترض أنها تشرحه لنا. لهذا يقرأ المرء الصفحات الطوال ليخرج بفكرة يمكن شرحها بجملتين، وهو ما يظهر جليًا في القسمين الأولين من العمل والمخصصين لما قبل فترة الإمبراطوريات النارية المبكرة (العثمانية وال...

بين جبرون وحلاق: محاولة في التفسير الاجتماعي

  مما يلفت الانتباه هو النقاش الواسع الذي حظي به عمل وائل حلاق «الدولة المستحيلة» في العالم العربي، وهو نقاش مستحق لكتاب مثير للاهتمام، مقابل محدودية هذا النقاش عند التطرق إلى أعمال أخرى تتقاطع في موضوعها مع موضوع كتاب حلاق، وهي أعمال لا تقل أهمية عنه إن لم تتجاوزه،وأحيل بشكل خاص إلى عمل أمحمد جبرون «مفهوم الدولة الإسلامية»، والذي أعتقد بأفضليته لجهة المبنى والمعالجة التاريخية. إن تفسير الاستقبال المتباين للعملين، كما أعتقد، لا يتعلق بشكل أساسي بمحتوى العملين، بقدر ما يتعلق بالسياق السياسي للجمهور لحظة استقباله لهما. لهذا سأهتم هنا بتقديم بعض الملاحظات حول اللحظة السياسية للجمهور المتلقي وصلته ابالاستراتيجيات والإجابات المقترحة في كل من الكتابين. بتعبير آخر، سأقدم بعض الملاحظات، حول لماذا حظي كتاب حلاق بمثل هذا السجال المستفيض على عكس الأعمال الأخرى بما فيها عمل جبرون، دون التطرق إلى مناقشة ومفاضلة محتوى العملين، إلا بما يتعلق بسياق الاستقبال. الدولة المستحيلة يمتاز عمل حلاق بميزة لطالما تمتعت بها الأدبيات الماركسية تحديدًا، وهي القدرة على الجمع بين أطروحتين تنتميان إلى سويتين تحلي...

عن الضروري والظرفي في التاريخ

 أثار التمييز بين الضروري والظرفي الكثير من النقاش ولم يزل، برغم أن التمييز يبدو للوهلة الأولى بسيطًا. فسقوط التفاحة –مثلاً-في عالمنا الذي تحكمه الجاذبية ضروري، فلا يمكن للتفاحة ألا تسقط. بالمقابل فإن هزيمة نابليون في واترلو لا تبدو ضرورية، فقد كان من الممكن أن ينتصر في ظرف مغاير. الحقائق الضرورية محكومة بقوانين تقتضيها، بينما الحقائق الظرفية تتعلق بالملابسات والظروف التي حكمتها، وقد تختلف في سياقات أخرى. النقاش بصدد هذا التمييز يدور حول السؤال: كيف لنا أن نعرف فيما إذا كانت إحدى الحقائق ضرورية أو ظرفية؟، هل التاريخ -مثلاً- محكوم بقوانين تجعل من تعاقب أحداثه ضروريًا أم أنها ظرفية ولا يحكمها قانون؟ ماركس وسياقه شكل التنوير -المؤسَس على الإيمان بالتقدم والعقل وتحرير الإنسان الفرد من قيود التقاليد والتسلط المرتبطة بالنظام القديم- التراث المشترك بين الاشتراكيين والليبراليين، وهم لم يفترقوا عن بعضهم البعض بشكل حاسم إلا مع ربيع الشعوب عام 1848. فإن اكتفى الليبراليون بالتحرر السياسي والفصل مع الكنيسة بوصفها الشروط الكافية لتحرير الفرد، فقد مدّ الاشتراكيون هذه الشروط الضرورية إلى المجال ال...

الشريعة وتغول السلطان

  عبر طرق متباينة يتشاطر كل من وائل حلاق «الدولة المستحيلة»[1] ونوح فيلدمان «سقوط الدولة الإسلامية ونهوضها»[2] فكرة أساسية حول الشريعة ودورها في المجتمع الإسلامي تاريخياً، وهي فكرة تساعد أيضاً في شرح الحيوية الدائمة لدعوة تطبيق الشريعة وكونها مثالاً حياً وملهماً للعديد من المسلمين في العالم. الشريعة فرضت قدرًا من الضوابط على السلطان وعلى ما يمكن أن يقوم به. يمكن للسلطان أن يكون ظالماً أو أن يتدخل في شؤون العلماء عبر تعيين أحدهم قاضياً أو عزله، لكن هذا النفوذ في النهاية محدود بأنه لا يستطيع تغيير الشريعة أو تأويلها على هواه، وحدهم العلماء يملكون هذه الصلاحية وهم محكومون بقواعدهم الخاصة التي تضبط جودة وصلاحية عملهم. هذا الدور ستفقده الشريعة ابتداءً من الإصلاح العثماني وفي الدول الحديثة، كما ستتفكك طبقة العلماء وتفقد دورها ومكانتها الاجتماعية.الفكرة وبتبسيط شديد هي أن الشريعة تمتعت بمجال مستقل ومحصن في مواجهة السلطان بفضل مصدرها الإلهي ووجود طبقة اجتماعية (العلماء) تتولى القيام بأمر الشريعة، وهي طبقة مستقلة لحد ما عن السلطان في إدارتها لشؤونها، كما أنها تعود إلى قواعدها الخاصة فيما يت...