من عفرين إلى الانتخابات الرئاسية المصرية
رغم ما يبدو من تباعد ظاهري بين الحدثين إلا أن هناك ما يجمع بينهما، وهو المخيال السياسي الذي يحكم السياق العربي وخاصة الثوري منه، والذي يكمن في جذر الهزيمة التي نحياها ما بعد الربيع العربي.
في عفرين انضوت الفصائل المسلحة الثورية، بشتى توجهاتها وانتماءاتها من فصائل الجيش الحر إلى أحرار الشام، تحت مظلة الجيش التركي في عمليته العسكرية ضد عفرين ووحدات حماية الشعب الكردية. ولدى هذه الفصائل ما يكفيها من أسباب، تبدو محقة، لتبرير هذه العملية، ابتداء من الموقف السلبي وحتى المتواطئ لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي مع النظام السوري ودوره اللاحق في مناطق شمال وشرق سوريا، منبج والرقة، وما تسبب به من توترات إثنية بين العرب والأكراد، خاصة أن العديد من أبناء الفصائل العسكرية ينحدرون من هذه المناطق وهم مبعدون عنها بسبب سيطرة القوات الكردية عليها.
في المقابل، انتفض الاكراد ضد نظام الأسد عام 2003 حينما لم يكن أحد يجرؤ على الكلام. وقتها، وقفت العشائر العربية إلى جانب نظام الأسد في قمع الأكرد والتنكيل بهم. كذلك خرج الأكراد منذ البداية في مظاهرات مناصرة للثورة، لكن في المقابل فإن الكثير من الشكوك لديهم حامت حول هوية "الثوار" الإسلامية المعادية للأكراد، وقد دعمت الأيام اللاحقة أسوأ شكوك الأكراد تجاه هذه "الثورة الإسلامية". بل إن كل الرموز السياسية للثورة، وبمعزل عن توجهاتهم الأيديولوجية، أظهروا لامبالاة تامة تجاه القضية الكردية، ولم تتجاوز مواقفهم سقف النظام السوري. بمعنى آخر لم يكن لدى الأكراد، بوصفهم أمة محرومة من حقها في تقرير مصيرها أو حتى الاعتراف بها كأمة، ما يكسبوه من هذه الثورة مقارنة بنظام الأسد، بل ربما شكلت -بإسلاميتها- خطراً أكبر من نظام الأسد نفسه. كان الأكراد أيضاً محقين في كل شكوكهم ومخاوفهم.
لماذا يعجز من عانوا سنيناً طوال من نظام الأسد عن أن يجدوا أرضية مشتركة تجمعهم سوية؟ على العكس، يبدو أن ما يفرق بينهم أكبر وأخطر مما يفرقهم عن نظام قمعهم واضطهدهم لعقود طويلة، فهم يخشون بعضهم أكثر مما يخشون الدولة المستبدة التي من المفترض أن تكون هذه الثورة ثورة عليها.
لا تبدو الحالة المصرية، وفيما يخص معركة التوكيلات للانتخابات الرائاسية، مغايرة. فاليساريون والليبراليون الملتفون حول خالد علي يتعرضون إلى هجوم المحسوبين على التيار الإسلامي، لكونهم وقفوا إلى جانب الانقلاب العسكري وأيدوه ضد الرئيس المنتخب ديمقراطياً محمد مرسي، مما أدى إلى وأد التجربة الديمقراطية نفسها والتمهيد للحكم السلطوي الحالي، وهم محقون في هذا. لكن بالمقابل تحيل القوى الليبرالية واليسارية والمدنية إلى الطبيعة الاستئثارية والتسلطية التي رافقت تجربة الاخوان في الحكم، وما رافقها من نزعات شمولية وطائفية خطرة من بعض التيارات الإسلامية المستفيدة من وجود الإخوان المسلمين في الحكم، مهددة بذلك جوهر التجربة الديمقراطية نفسها. وفي هذا هم أيضاً محقون.
يُظهر المثلان عمق الانقسامات الاجتماعية والأهلية في مجتمعاتنا وعدم قدرتها على إيجاد أرضية سياسية مشتركة في مواجهة استبداد الدولة العربية. ففي حالة عفرين، والقابلة للتعميم على المشرق العربي عموماً، يمكن الحديث عن انقسامات أهلية تجعل الجماعات في مواجهة بعضها البعض، عاجزة عن تطوير استراتيجيات سياسية تسمح لها بإدراة اختلافاتها بشكل ديمقراطي وتوافقي دون خطر تحول هذه الاختلافات إلى سبب لحرب أهلية. تبدو الثورة وكأنها وسيلة لكل جماعة أهلية من أجل السيطرة على جهاز الدولة واستخدامه كأداة في حربها مع الآخرين، مما يدفع الآخرين في المقابل لفعل كل شيء لمنع هذا الخطر، خاصة في حالة ترافقه مع ايديولوجيات خطرة وإقصائية. في الحالة المصرية، حيث الانقسام الأهلي طرفي، يحضر ما يوازيه، وهو الانقسام حول القيم الأساسية الناظمة لتصورات مجموعات مختلفة حول الحياة الجيدة أو السيئة. فإذا ترافق الالتفاف حول قيم معينة مع تنظيم سياسي شبة مغلق، يعيش أفراده وكأنهم طائفة، فيتزوجون داخلياً ويعملون في نفس الشركات ويذهبون إلى نفس الأندية ويكونون مجموعات الأصدقاء، فإننا نكون عندها أيضاً أمام طائفة وعصبية تشبه بقية الطوائف والعصبيات. هذا الانقسام حول القيم الأساسية مع عصبية الجماعة جعل المجموعات الثورية المصرية عاجزة بدورها عن إيجاد أرضية مشتركة في مواجهة الدولة المتسلطة، مما جعل من انقساماتها البينية تبدو وكأنها أشد خطراً من نزاعهم مع الدولة التسلطية. وربما يكونون محقون في هذا، بغياب ما يدعم أي موقف آخر.
تبقى الدولة المتسلطة، أو أية قوة خارجية، المستفيدة الأكبر من الانقسامات الاجتماعية والأهلية الحادة في المجتمعات العربية، والتي تعطل وبشكل فعلي أية محاولة لبناء تكتل شعبي ديمقراطي واسع يسمح بتحدي احتكار الدولة التسلطية للمجال العام واقصائها للجميع منه باستخدام كل وسائل القمع. بل إن الدولة تفعل كل ما بوسعها لتعميق مثل الخلافات وتكريسها، فلا تتورع عن استخدام استراتيجيات طائفية لمواجهة أي حراك شعبي. كما أنها لا تمانع بالاستثمار إلى أقصى درجة في الاختلاف العلماني/الديني، لدرجة أنه قد أصبح أحد المواضيع المفضلة للدولة العربية فيما يخص الدراسات والنقاشات والسجالات حوله، في الوقت الذي تقمع فيه الدولة العربية نقاشات أخرى وتوصد الأبواب أمامها. الدولة العربية تهدد العلمانيين بالإسلاميين، والاسلاميين بالعلمانيين، وتبتز الجميع في النهاية.
إن تحدي الديمقراطية الأساسي هو قدرتها على تطوير مخيلة سياسية يظهر فيها "الشعب" في مواجهة السلطة التي تقمعه، متجاوزاً انقساماته الداخلية. "الشعب"، بعربه وأكراده، بمسلميه ومسيحييه، بمدنييه وريفييه وهلم جرا، في مواجهة السلطة التي تحرمه حقوقه. ظهرت هذه اللحظة في البدايات الأولى للربيع العربي، ولكنها توقفت هناك وقد عجزت عن تثوير المخيلة السياسية العربية، بحيث تتحول لحظة الشعب الافتراضية مثلما ظهرت في الميادين العامة إلى لحظة تاسيسية لمشروع وطني ديمقراطي، يقدر الجميع من خلاله على التعبير عن أنفسهم وأحلامهم ومخاوفهم أيضاً. في المقابل نجحت الثورات المضادة في امتصاص تلك اللحظة التأسيسية وتجاوزها، من خلال التأكيد على لحظات الشقاق والتنازع وتقديمها بوصفها شبح الحرب الأهلية، أو حتى الحرب الاهلية الفعلية، الذي يهدد الجميع. شعار الأنظمة العربية "نحن أو الحرب الأهلية"، في المقابل لم يفعل الثوار، في غياب المخيلة السياسية الثورية، إلا أن عبدوا الطريق أمام تحويل هذا الشعار إلى حقيقة.
جريدة الحياة
Kommentare
Kommentar veröffentlichen