أيديولوجيا التحديث والطريق إلى الجحيم


من الصعب علينا اليوم ألا نرى الدور الكارثي لاستبداد الدولة العربية الحديثة فيما حاق بالمجتمعات العربية، بل وحتى المساهمة في دفعها إلى الاحتراب الأهلي كما في سوريا والعراق وليبيا. يمكن أن نعزو هذا إلى نشأة الدولة العربية الحديثة كامتداد للإدارة الاستعمارية التي سعت إلى إخضاع السكان المحليين وقمعهم، أو إلى الإرث السلطاني (المملوكي) في العلاقة مع المجتمعات المحلية كمصدر للثروة، أو إلى التداخل الذي حصل لاحقاً بين الدولة والعصبيات المحلية والتي استخدمت الدولة كأداة في نزاعاتها. من الممكن تقديم تفسيرات "اجتماعية" لقوة الدولة والعلاقة التسلطية التي جمعتها مع مجتمعها، لكن المهم هنا هو "تبرير" هذه العلاقة عبر النظر إلى بعدها الإيديولوجي، فالدولة لم تُخضع مجتمعها وتتحكم به دونما أيديولوجيا تشرع عملية الاخضاع والضبط، والتي يمكن أن نسميها أيديولوجيا التحديث بوصفها التعبير التاريخي لإيديولوجيا الدولة والناظمة للعلاقة مع المجتمع، والتي بدأت مع حقبة الإصلاحات، إلى الإدارة الاستعمارية وصولاً إلى الذروة مع حركات التحرر الوطني ومناهضة الاستعمار.

تقوم الفكرة الأساسية لإيديولوجيا التحديث على أن المجتمعات المحلية تقليدية ومتخلفة ويجب أن يتم تحديثها عبر سلطة الدولة وجهازها البيروقراطي، باعتبار أن الدولة هي الفاعل الأكثر عقلانية وحداثة. قدمت هذه الأيديولوجيا تبريراً للإدارة الاستعمارية كإدارة تحديثية، وبعد الاستقلال تبنت النخب الوطنية الفكرة نفسها بصدد الدولة الوطنية. في الحالتين كانت المجتمعات تقليدية يجب تحديثها عبر قوة وسلطة الدولة الحديثة وفعلها.

لهذه الأيديولوجيا جذور سابقة على الفترة الاستعمارية المباشرة، وإن ارتبطت بالاندماج بالنظام العالمي وتحدي التحديث الذي فُرض على الدول الشرقية. يروي أسامة مقدسي في كتابه "ثقافة الطائفية" كيف تبنى فؤاد باشا وغيره من كبار البيروقراطيين العثمانيين هذه الرؤية لدور الدولة بعد الأحداث الطائفية التي ضربت لبنان وسوريا عام 1860، والتي صُورت باعتبارها صراعات قديمة ومتوارثة تعكس طبيعة هذه المجمعات الجاهلة والمتخلفة. وبالنسبة له لم يكن من الممكن مواجهة جهل الجماعات الأهلية إلا عبر تدخل الدولة ودورها بضبط سلوك هذه المجمعات أولاً ولاحقاً من خلال القيام بالإجراءات اللازمة من أجل تحديثها. لم يكن فؤاد باشا معنياً بحقيقة أن الحرب الطائفية كما الثقافة الطائفية لم تكونا تعبيراً عن تخلف موروث أو نزاعات تقليدية تماماً، إنما نتاج حديث لعملية الاندماج بالنظام العالمي وما قام به المصريون خلال وجودهم في الشام مما أدى إلى تحولات في بنية هذه المجتمعات، أسهمت بدورها في تعديل علاقة القوة والنفوذ بين الجماعات الأهلية ودفعت القادة المسيحيين إلى تبني لغة مشتقة من الثورة الفرنسية وخطاب الإصلاحات الخاص بالدولة العثمانية نفسها (التنظيمات)، وذلك بهدف إضفاء الشرعية على انتفاضتهم ومطالبهم. لم يكن هناك شيء تقليدي في "المجتمع التقليدي" الذي اندفع وقتها إلى الحرب الطائفية. لكن هذا لم يكن ليعني فؤاد باشا كثيراً، فتقليدية المجتمع ولاعقلانيته كانت الوجه المقابل لحداثة الدولة وعقلانيتها، وهو ما يبرر سلطة الدولة وإجراءاتها التأديبية القمعية وتدخلها لاحقاً في تنظيم المجتمع وضبطه. مثل فؤاد باشا، رأى الاستعمار في نفسه فاعلاً تحديثياً يساعد الأمم المستعمَرة في الوصول إلى الحضارة، وشكلت الإدارة الاستعمارية، والتي هي أصل الدولة الوطنية لاحقاً، أداته لتحديث المجتمعات الجاهلة والمتخلفة.

مع انسحاب القوى الاستعمارية في أواسط القرن العشرين فإن شكل آخر لإيديولوجية التحديث ظهر على السطح. فقد ظهرت نخب ذات أصول ريفية ومدنية دنيا وحائزة على تعليم حديث مرتبط بتوسع التعليم الرسمي المُرتبط بالدولة. ستخوض هذه النخب معركة مزدوجة في مواجهة الامبريالية لتعزيز الاستقلال الوطني وضد النخب القديمة الثرية التي حافظت على موقع تبعي تجاه النظام العالمي واستخدمت سلطة الدولة لتكريس سيطرتها وحماية امتيازاتها القائمة على فقر وتخلف الشعب. بالنسبة لهذه النخب الجديدة لم تنفصل معركة الاستقلال الوطني عن معركة التنمية والثورة الاجتماعية. وبرغم الأيديولوجيات المتباينة مثل الاشتراكية أو القومية التي تبنتها هذه النخب، فإنها حافظت، بل وجذرت، الفكرة المركزية لإيديولوجيا التحديث مطعمة إياها بنفس ثوري. وهكذا أصبحت التنمية الاقتصادية (التصنيع أساساً) الهدف المركزي والذي سيتحقق عبر التدخل الدولة كفاعل تحديثي وسلطة ثورية في المجتمع التقليدي من أجل تثويره، لهذا لم تحفل هذه الأيديولوجيات عموماً بتقاليد حديثة تهدف إلى تقييد سلطان الدولة، مثل الفيدرالية وتقسيم السلطات.

متأثراً بعبد الله العروي دفع ياسين الحافظ أيديولوجيا التحديث في عمله النظري والسياسي إلى حدودها القصوى. تصورَ الحافظ أن مجتمعاً متخلفاً وغير عقلاني يحتاج إلى تغيير جذري من أجل القضاء على هذا التخلف وتجاوزه. لكن هذا التغيير يجب ألا يقتصر على مجرد تغيير في نمط الإنتاج، الأمر الذي سيقود إلى إعادة انتاج التخلف بشكل اشتراكي، ولكن المطلوب هو تغيير في طرائق التفكير نفسها. لكن من سيتولى عملية التغيير هذه؟ إجابة الحافظ تمثلت بالمثقف الثوري بوصفه طليعة هذه الثورة. تبعاً للحافظ فإن الانتلجنسيا بتبنيها للماركسية تستطيع التعرف إلى الواقع كما هو بدون تزييف، كما تستطيع أن تدرك اتجاه حركة التاريخ والموقع الحقيقي لمجتمعاتنا فيه. ستكون هذه الانتلجنسيا قادرة على انجاز مهمات الثورتين الليبرالية والاشتراكية بشكل موحد دون التفريط بإحداهما، وطبعاً أداتها لإنجاز هذا التغيير الثوري في المجتمع ليست سوى الدولة وسلطتها. بحسب الجماعات الثورية التي استولت على الدولة فإن الفعل يتم من الدولة إلى المجتمع وبواسطته سيعبر المجتمع إلى التنمية والحداثة والاستقلال، وهكذا راكمت الدولة مزيداً من القوة عبر التأميم الاقتصادي وصولاً إلى التأميم الديني من خلال تأميمها الأوقاف لحسابها وتحكمها بالمؤسسات الدينية بشكل مباشر.

لسوء الحظ أن التطور التاريخي الفعلي لم يسر مع هذا التصور، فلا ناصر ولا البعث أديا مهمة التحديث كما تمناها وتصورها الحافظ، والحافظ كان منحازاً تماماً إلى قضيتي الديمقراطية والحرية. على العكس خدمت أفكار مماثلة لأفكار الحافظ مسعاهما في تثبيت سلطتهما بشكل أداتي دون أن ينجزا أي شيء مما هو متوقع أو منشود، بل وانتهيا إلى هزيمة حزيران. المهم في فكر الحافظ ليس محتواه نفسه، إنما قيمته في الدلالة على تصور العلاقة التي حكمت الدولة والمجمع ما بعد الاستعمار، والتي ما تزال مستمرة إلى اليوم وبأشكال عديدة، ترفدها النيات الحسنة، حيث تُقدم الدولة اليوم باعتبارها راعية لمشروع الإصلاح الديني بعدما كانت راعية لمشروع التنمية الاشتراكية.

أضفت أيديولوجيا التحديث الشرعية على ادعاءات الدولة في مواجهة مجتمعها واعطتها أفضلية في مواجهة مصادر الشرعية المتباينة القائمة، لكن دون أن تأخذ هذه الأيديولوجيا في حسبانها الدولة الواقعية التي نحيا تحت سلطانها، والتي تستند في سلطتها على عصبيات أهلية في كثير من الأحيان. لا يجب أخذ التحديث بوصفه وعياً مطابقاً، إنما بوصفه أيديولوجية ظهرت في سياق الدولة ما بعد الاستعمارية وتخدم أهدافاً ومصالحاً محددة للدولة وبيروقراطيتها والنخب التي حكمت هذه الدولة. كما يصبح لزاماً علينا اليوم، وبحكم الخبرة التاريخية مع هذه الدولة، أن نشكك ونحذر من كل دعوى تضع الإصلاح والنهضة في يدي الدولة وحدها، لأنها -في التحليل الأخير-تضفي الشرعية على علاقة التسلط التي تجمع بين الدولة العربية ومجتمعها.



جريدة الحياة

Kommentare

Beliebte Posts aus diesem Blog

التنوير الراديكالي وثورة العقل

اللانهاية ومفارقاتها