التحديث: القبيلة والطائفة

 في النقاشات العربية الدائرة حول موضوع التحديث والحداثة وعلاقتهما بالقبيلة والطائفة تحضر عدة آراء متباينة.

    • يرى أصحاب الرأي الأول أن عودة الطائفية والقبلية كان نتيجة لفشل مشروع التحديث وهزيمته التامة. حيث عادت الطائفة والقبيلة للظهور نتيجة لهذه الهزيمة ولملئ الفراغ الحاصل مع فشل الدولة الحديثة وحكم القانون والهوية القومية أو الوطنية. بحسب هذا الرأي، فإن عودة القبيلة والطائفة والهويات الجهوية نتيجة لسبب أولي هو فشل مشروع التحديث.

    •  في المقابل هناك رأي ثان، يرى أصحابه أن التحديث فشل بسبب تداخله منذ البداية مع القبيلة والطائفة، اللتان نجحتا بالتسلل إلى الدولة والسلطة والاستيلاء عليها خلف إدعاءات إيديولوجية حداثية. فالتحديث لم يكن في حقيقته ومنذ البداية سوى تحديث براني لم يصل إلى عمق البنى الاجتماعية. العلاقة بين السبب والنتيجة بالنسبة لهذا الرأي مقلوبة، ففشل المشروع التحديثي هو نتيجة لسبب أولي هو مقاومة وصلابة البنى الاجتماعية القبلية والطائفية والجهوية.

    • رأي ثالث يعتبر أن عملية التحديث -كما عرفتها الدول العربية- كانت في أساسها تحديث طرفي، تابع وخاضع للشرط الاستعماري. فنحن لسنا أمام فشل للتحديث، بل ما نراه هو الحالة الطبيعية للتحديث الطرفي والكولونيالي. تبدو علاقة السبب-النتيجة بالنسبة لهذا الرأي تشبه تلك التي نراها مع الرأي الأول، لكن السبب هنا لا يتعلق بالفشل، بل بالحالة الطبيعية لعملية التحديث.

المعضلة التي تواجهنا مع هذه الآراء المتباينة هي عملية التحقق، كيف يمكن الحكم عليها وتحديد الصائب والخاطئ منها. للوهلة الأولى قد تبدو العملية يسيرة، بحكم سهولة التحقق من السبب والنتيجة، السبب يتقدم زمنياً على النتيجة. لكن الواقع أن المسألة ليست بمثل هذه السهولة المتخيلة. فالحديث عن الطائفة أو القبيلة وغيرها من الهويات الجهوية لدى أصحاب الرأي الأول لا يحيل إلى هويات قديمة وتراثية، بل إلى هويات حديثة تحورت خلال عملية التحديث. على سبيل المثال، اضمحلت الهوية القبلية بشكل متزايد في سوريا والعراق منذ منتصف القرن العشرين، لتحل مكانها هويات اجتماعية/طبقية. وصار مألوفاً أن يلجأ الناس إلى اتحادات العمال أو الفلاحين للدفاع عن حقوقهم وليس إلى قبائلهم، لكن لاحقاً وبدءاً من الثمانينات ضعفت الهوية الطبقية بانهيار قدرة هذه الاتحادات على الدفاع عمن تدعي تمثيلهم. بمقابل هذا التراجع عادت الهويات القبلية للصعود باعتبارها وسائل دفاع عن أبناء القبائل، وصولاً إلى إعادة العمل بالقانون القبلي في العراق. بل تم خلق هويات قبلية بشكل جديد تماماً في عدد من المدن السورية التي لم تعرفها مسبقاً. السؤال عندها يدور حول تفسير العودة إلى القبيلة والطائفة، بعدما اعتقد الجميع بأفولهما. المقارنة بين الرأيين الأول والثاني تتمثل بالتساؤل التالي: هل العودة إلى القبيلة هو نتيجة لفشل هذه الهويات الحديثة (اتحاد العمال مثلاً) أم لأن القبيلة كانت أكثر صلابة من هذه الهوية الحديثة، بحيث أنها نجحت حتى في التغلغل إليها واستخدامها لمصلحتها؟

أحد أوجه الصعوبة يكمن في تحديد ما نعنيه بالبعد الجديد للقبيلة أو الطائفة. خاصة، مع وجود رأي يؤكد على حداثة هذه الهويات بوصفها هويات متخيلة. هنا يتم التأكيد على تسييس الانتماء إلى هذه الجماعة. فالانتماء كان موجوداً دوماً، غير أن الجديد تمثل بتحويل هذا الانتماء إلى قاعدة للفعل السياسي من خلال تسييس هوية الجماعة. وجد دوماً مسلمون سنة بوصفهم جماعة ذات اعتقادات محددة، دون أن يترتب شيء سياسي على وجود هذه الجماعة والانتماء إليها. لكن الأمر الجديد هو تحول الهوية السنية إلى هوية سياسية وإدعاء حق تمثيلها والكلام باسمها بوصفها جماعة سياسية، أو ذات مطالب سياسية يجب تمثيلها. ما يصدق على السنة يصدق على غيرهم من أبناء الطوائف أو القبائل أو الهويات الاثنية والجهوية وهلم جرا.

هذا التعقيد يجعل الأمر وكأنه أقرب إلى نقاش أيهما أول البيضة أم الدجاجة. سوريا والعراق، مرة أخرى، تقدمان مثالين مفيدين عن هذا التعقيد. كيف نفهم نظام صدام حسين مثلاً؟ هل هو نظام حكم السنة والقبيلة؟ رأي يبرره انحدار الغالبية الساحقة من ضباط الجيش المؤثرين من المناطق السنية، وانحدار العصبة الحاكمة من أقرباء صدام حسين القبليين، وخضوع تراتبية القوة والسلطة لعلاقة القرابة والقرب من تكريت والبعد عنها. لكن هل كانت هذه العملية مقصودة بذاتها، أم هي نتيجة لسياق تاريخي لم تلعب فيه النزعة القبلية والطائفية دوراً محورياً إلا في مرحلة متأخرة من انهيار المشروع وتفككه. فإيديولوجيا حزب البعث علمانية، كما كانت غالبية أعضاء الجناح المدني لحزب البعث عند استلامه السلطة من الشيعة، ويصدق هذا أيضاً على قياداته المدنية. كذلك حارب البعث الهويات الطائفية أو القبلية، وقام بمحاولات قانونية لقمعها ولتعزيز الهوية الوطنية العراقية. الانقسام السني-الشيعي، كما الهويات القبلية، لن يكفي لتفسير وضع العراق مع استلام البعث للسلطة وبقائه فيها. في المقابل، لا يمكن تفسير ما يحصل في العراق دون الإحالة إلى الانقسام السني-الشيعي والهويات القبلية.

ليس هدف المقال الإجابة على سؤال، أي هذه الآراء هو الصحيح. بل تبيان المعضلة الخاصة بمثل هذه النقاشات، والمتمثلة بغياب المعايير التي يمكن استخدامها للحكم على هذه الآراء واختبار قدرتها التفسيرية. تبدو هذه الآراء -على تباينتها- متكافئة من حيث قدرتها على التفسير، بعضها يبدو أقدر على مقاربة وقائع محددة أكثر من النظريات الأخرى، وبعضها أكثر كفاءة في تناول حقب زمنية معينة. لكن ليس هناك وضوح حول كيفية اختبار هذه النظريات ضد بعضها البعض. لكن أصل المعضلة ليس أكاديمياً صرفاً، بل سياسي. هذه النظريات منخرطة في مشاريع سياسية ورهانات متباينة. هذا في حد ذاته ليس أمراً سيئاً، كل نظرية اجتماعية منخرطة بطريقة أو بأخرى في السؤال السياسي، طالما أنها تطرح القواعد الناظمة لحياتنا على محك السؤال. لكن المشكلة هي إخفاء الرهانات السياسية الخاصة بهذه النظريات وعدم التصريح بها، والإدعاء أن هذه النظريات هي نظريات علمية. عندها نكون أمام ايديولوجيا بالمعنى السيء للكلمة، أي وعي مزيف، يخفي ويخدع ولا يكشف ولا ينير. حيث يختار المدافعون عن أي من هذه الآراء ما يناسبهم من الوقائع، ويتأولونها بالطريقة التي يرغبون بها، متهمين الآخرين باللاعلمية وحتى بالانخراط في معرفة استشراقية مثلاً.

كون هذه الآراء ليست مجرد آراء علمية، بل مشاريع لها رهاناتها السياسية، فإنها مصابة بالعمى بطريقة أو بأخرى، ويمكن أن تصبح ايديولوجيا تستخدمها جماعة ما لتبرير وتشريع سلطتها في مواجهة جماعات أخرى. عندها تصبح مواجهة الطائفية ستارة ايديولوجية لهيمنة طائفية، تمنع النظر في البنى العميقة للسلطة وعملية الحفاظ عليها. يمكن أن تصبح مواجهة "الامبريالية" والتأميم تنظيرات لتبرير الاستيلاء على السلطة والثروات وتحطيم القاعدة الاجتماعية والاقتصادية لأية قوة قد تكون قادرة على مواجهة الحاكمين.

تجاوز المعضلة لا يكمن في الانسحاب من السياسية إلى مطلب المعرفة وحدها، لكن في كشف الرهانات السياسية، بما يسمح بقيام نقاش جدي وحقيقي، وليس في إخفائها وتحويلها إلى ايديولوجيا. فقط على هذا الأساس، يصبح من الممكن لاحقاً تطوير نقاش جدي حول فهم الطائفة والقبيلة وعلاقتهما بمشروع التحديث.

جريدة الحياة

Kommentare

Beliebte Posts aus diesem Blog

التنوير الراديكالي وثورة العقل

اللانهاية ومفارقاتها