اليسار: استراتيجيات سياسية

بعد نجاح ترامب في الانتخابات الرئاسية الأميركية طُرحت أسئلة حول دور اليسار وقدرته على الحشد والتأثير، أو بالأحرى عدم قدرته. لم يقتصر التساؤل على الولايات المتحدة، إنما تعداه إلى الدول الأوربية، خاصة أنها تشهد صعوداً لافتاً لليمين الشعبوي وإن بدرجات متفاوتة. ففي ألمانيا مثلاً يهيمن اليسار على الوسط الطلابي في الجامعات الألمانية، غير أن الطلبة أنفسهم لا يرتبطون بالأحزاب السياسية التقليدية، ومنقطعو الصلة بالشرائح الدنيا في مجتمعهم، وهي الشرائح التي يستقطبها اليوم اليمين الشعبوي.

محاولات تفسير انقطاع الصلة بين اليسار والطبقات الدنيا والمهمشة أشارت إلى تحول مهم حصل لليسار في الدول الغربية خلال العقود الأخيرة، حيث ارتبط اليسار وبشدة بالجامعات مما جعله يستحق وصف "اليسار الأكاديمي". التحول الأهم الذي طرأ على الاستراتيجية السياسية لليسار كان تحولها باتجاه تبني سياسات الهوية، بصيغها المختلفة من هوية جنسية أو جنسانية أو اثنية أو دينية، أي تحول اهتمام اليسار إلى الأقليات. في المقابل انحسر، وبشدة، البعد الطبقي من خطاب اليسار واستراتيجياته السياسية. لا يعني هذا زوال التحليل الطبقي، فما يزال هناك العديد من المختصين الممتازين في الاقتصاد السياسي، ولكنه لم يعد مركز الثقل في استراتيجيات اليسار كما في الحركات الاجتماعية.

التحول باتجاه سياسات الهوية جعل من تواصل اليسار مع القسم الأعظم من الشرائح الدنيا، والعمال منهم بشكل خاص، أمراً متعسراً، فهؤلاء ليسوا أقلية بالمعنى الذي تفترضه سياسات الهوية، بل هم الأغلبية، الأنكلوسكسون البروتستانت في أمريكا مثلاً. هؤلاء يقفون خارج خطاب حقوق الأقلية. هؤلاء كانوا الأكثر تضرراً من العولمة، والذين أصبحوا مهددين بفقدان وظائفهم، إن لم يفقدوها فعلاً، مع انتقال المعامل إلى الصن والهند حيث العمالة الأرخص. لم يقتصر هذا التحول على العمالة قليلة المهارة، بل امتد إلى شرائح من الطبقة الوسطى الغربية، فالطبقة الوسطى توسعت في الصين والهند والبرازيل، وازداد عدد المؤهلين الذين أصبحوا قادرين على القيام بالكثير من الوظائف التي اقتصرت على الغرب.

الشرائح الدنيا، وهي التي تنتمي إلى الأغلبية بمعنى الهوية، والمشكلة أساساً من العمال ومتوسطي المهارة وجدت نفسها خاسرة من العولمة التي قامت على خطاب التنوع والتعددية والاحتفاء بها. كذلك فإنها باتت مهملة من اليسار الذي تحول أساساً إلى سياسات الهوية، متجاهلاً الصراع الطبقي. لكنها وجدت نفسها، وللدقة مخاوفها، في خطاب الشعبويين والذين تبنوا سياسات الهوية وخطابها، كما اليسار، ولكنهم تحدثوا إلى الأغلبية وليس إلى أقليات. 

طبعاً، يمكن تفسير التحول اليساري باستدعاء الماركسية، وتفسيرها المستند إلى دراسة التحولات التي طرأت على وسائل الإنتاج والبيئة الاجتماعية الخاصة باليسار الأكاديمي. فاليسار الأكاديمي موجود تحديداً في البيئة التي استفادت أيما استفادة من العولمة، فهي ذات تأهيل عالي، تتحدث لغات متعددة وتقطن مدن كوسموبوليتية. قدمت العولمة لها فرصة ممتازة للانفتاح على العالم بأكلمه. هذه الشريحة ليست طبقة بالمعنى القديم للكلمة، فهي لا تعرف نفسها بنمط انتاجها، فيكفي جهاز كومبيوتر يعمل المرء خلفه. خبرة المعمل والعمل المشترك لم تعد حاسمة للهوية كما كانت للعمال الصناعيين في المعامل، بالمقابل أصبح نمط الحياة المحددة عبر الهوايات والأصدقاء أكثر أهمية في تعريف هؤلاء لأنفسهم. 

كذلك فإن الثقافة، أو التقاليد التي يحتفون بها، تعني لدى هذه الشرائح الكوسموبوليتية شيئاً مغايراً عما تعنيه لدى دعاة الهوية. فقد أشار عالم الاجتماع الألماني "اندرياس ريكفيتس" إلى أن هؤلاء ينظرون إلى التقاليد الثقافية باعتبارها سلع مفتوحة للاستهلاك والاستمتاع في سوق معولمة، يمكن لك أن تتعشى في مطعم ياباني، وتتعلم رقصة لاتينية، وتشاهد فيلماً هندياً، وتستمتع بمهرجان صيني. على العكس من الشعبويين المنادين بالتقاليد، فهؤلاء يأخذون الثقافات على محمل الجد باعتبارها نظاماً قيمياً يحكم الحياة وينظمها ولا يمكن للمرء أن يقفز من أحدها إلى الآخر، التقاليد ليست سلعاً، بل خط الدفاع الأخير في مواجهة الأخطار.

يبدو أن هناك شيء يشبه هذا التحول إن نظر المرء إلى استراتيجيات اليسار العربي. هنا أيضاً نشهد انقطاع ما بين اليسار والشرائح الدنيا أو الوسطى الدنيا من المجتمعات العربية، انقطاع يمكن ربطه بالتحول بإتجاه سياسات الهوية والتخلي عن الاستراتيجيات الطبقية. غير أن التحول إلى سياسات الهوية في الحالة العربية لم يكن على أساس من احتفاء وترحيب بالتعددية أو محاولة للدفاع عن هويات مضطهدة، بل تعبير عن خشية وعداء تجاه هوية الأغلبية في المجتمعات العربية. هذا التباين يحيل إلى فارق أساسي بين استدعاء سياسات الهوية بين اليسار الغربي والعربي، فاليسار الغربي ينحاز إلى أقليات مهمشة في ظل مجتمع ليبرالي، فيما ينحاز اليسار العربي ضد الكتلة الأساسية في مجتمع يحكمه الاستبداد. سياسات الهوية، وبمعزل عن الاعجاب بها أو عدمه، ذات مضمون تحرري في حالة اليسار الغربي ولكنها ذات مضمون معادي للحرية ومناصر للاستبداد في حالة اليسار العربي.

يتمحور اليسار العربي اليوم حول العداء للإسلاميين، وغالباً ما يصبح عداء للإسلام ولو لم يتم التصريح بهذا. فهو يعبر عن مخاوف وهواجس بيئة ذات نمط حياة أقلوي، خاصة أن نمط الحياة "الغربي"، الذي يتبناه مناصرو اليسار، هو نمط حياة أقلية في الوطن العربي أمام افقار وترييف المدن الكبير والحاصل لدينا منذ عقود.

سندرك مقدار هذا التحول في استراتيجيات اليسار العربي إن قارناه مع التجربة التاريخية لليسار قبل عقود. حينها لم يكتف اليسار، الشيوعيون، بتبني هوية طبقية، بل وانخرطوا فعلياً في النضالات العمالية والفلاحية، وحضروا بشكل كبير في النقابات العمالية، إن لم يكونوا عمادها. وقتها لم تعن المسألة الدينية الكثير لهم، بل يمكن القول إن سلوكهم تجاهها قام على ما يشبه التجاهل التام لها، برغم تبني اليسار وقتها لإيديولوجيا مادية متصلبة من جهة وعداء التيارات الدينية له والتحريض على إلحاده. انحدر العديد من مناضلي الحزب الشيوعي العراقي والسوري وقتها من أسر الأشراف وعائلات دينية عريقة، حتى أن الحزب الشيوعي العراقي تمتع بسطوة حقيقية في مدينة النجف الأشرف.

تقدم المسيرة الثقافية للراحل جورج طرابيشي صورة للتحول الذي طرأ على الاستراتيجيات السياسية والاهتمامات الثقافية لليسار. ففي شبابه أصدر طرابيشي كتابه "الاستراتيجية الطبقية للثورة"، وهو كتاب ممتاز في موضوعه، وكما يشير العنوان يناقش الكتاب السياسات الطبقية للثورة وتحالفاتها. اليوم، لا يمكن أن يُكتب أو حتى أن يُناقش مثل هذا الكتاب تقريباً في أي سياق يساري. بالمقابل فإن طرابيشي تحول لاحقاً باتجاه التراث والأسئلة الثقافية، التي أصبحت هوية ومحور سجال اليسار العربي المعاصر.

لم يعد اليسار حاضراً في النقابات أو الإضرابات العمالية وليس له صلة بالشرائح الدنيا، واقتصر حضوره على المدن الكبرى وانعدم وجوده بالريف. اليسار صار معبراً عن أقلية في نمط معاشها، أقلية منقطعة الصلة بالطبقات الدنيا والشرائح الأضعف في مجتمعاتها، وتحكمها هواجس الخوف والتوجس من الغالبية المفقرة والمهمشة.

لا شيء يجمع اليسار العربي الحالي مع اليسار العربي القديم حتى ولو توسلا اللغة نفسها ولكنها لم تعد تعني الشيء ذاته، فقادة الأحزاب الشيوعية واليسارية العربية ليسوا إلا صور مشوهة عن فرحات حشاد وفهد وفرج الله الحلو.



جريدة الحياة

Kommentare

Beliebte Posts aus diesem Blog

التنوير الراديكالي وثورة العقل

اللانهاية ومفارقاتها