Posts

سؤال بلا معنى: هل الاسلام شرير؟

هل الاسلام شرير؟ كان هذا السؤال عنواناً لملف أحد أعداد مجلة شيشرون الألمانية. لا يبدو السؤال غريبا مع مايراه المرء من أحداث في بقاع مختلفة من العالم وباسم الاسلام. سيبادر العديد للتأكيد على الشر المتأصل في الاسلام، بالإحالة إلى ما يرتكبه مسلمون مؤمنون ومقتنعون بأن ما يفعلونه هو الاسلام، أو بالإحالة إلى آيات قرانية وأحداث وردت في كتب السيرة والتاريخ الاسلامي. في المقابل فإن آخرين سيعترضون وينفون الشر عن الاسلام، باعتباره خيّراً ووسطياً، وبدورهم يحيلون إلى آيات أخرى، ويؤولون السابقة ويشيرون إلى أحداث أخرى من التاريخ والسيرة. إن كلي الموقفين خاطئ، ليس لقلة الأدلة التي يحيلان إليها أو عدم إحكامها، إنما لأن السؤال نفسه لا معنى له، والاجابة ستكون عندها خوضاً في سجال غير ذي معنى. ما الذي نعنيه أساساً بكون الاسلام شريراً؟ هل نقصد أن الاسلام يمتلك خاصية الشر؟ أو أن هناك خصائص أساسية مرتبطة بماهية الاسلام تستحق نعت الشر؟ أو حتى ما الذي نعنيه بالشر؟ الافتراض الضمني للسؤال هو وجود خصائص أساسية للاسلام، يتوجب علينا إدراكها لنحكم على ماهية الاسلام إن كانت خيرة أم شريرة. وجود هكذا خصائص أساسية يستدعي...

آفاق الانتفاضة السورية

 لا يمكن المتمعن في متابعة المناطق المشتعلة في سوريا، إلا أن يلاحظ، من الخلفية الاجتماعية للانتفاضة، بكونها انتفاضة مهمشين ومتضررين من السياسات الاقتصادية التي تسارعت في العقد الأخير. وليس عديم المغزى أن يكون رامي مخلوف هو المستهدف الأول للشعارات التي ارتفعت بداية، باعتباره رمزاً للتحوّلات الاقتصادية، وبزوغ نخبة رجال الأعمال الجدد. غير أنّ المحتوى الطبقي للانتفاضة لم يترجم إلى شعارات طبقية أو اجتماعية، فاقتصر الحراك على شعارات سياسية استوحتها من الثورة العربية في مصر وتونس، مثل «الشعب يريد إسقاط النظام» أو شعارات خاصة، «سوريا بدها حرية»، لتعبّر عن ضيق ذرع الشارع السوري باحتكار حزب البعث للحياة السياسية، طوال نصف قرن، واختزال الوطنية في الولاء للنظام، المختزل هو نفسه في شخص الرئيس. لم تر الانتفاضة في نفسها احتجاجاً طبقياً، بل انتفاضة حرية وكرامة. غير أنّ الطابع الاجتماعي وحتى التحرري للانتفاضة يمكن تلمسّه في الخطاب الشعبي لمؤيدي النظام، وما يتداولونه من نظرة طبقية متعالية على المنتفضين، باعتبارهم جهلة وفقراء. حتى إنّ بعض مقاطع الفيديو المسربة لعمليات القمع التي مارستها قوى الأمن الس...

في اختلاف الوقائع السورية: بين اللغة الرسمية ولغة التقية

 من أكثر الأمور التي تلفت الانتباه إلى الحدث السوري، تناقض الروايات المذهل. لا يقلل من قيمة ذلك التناقض أنّ جانباً منه يعود إلى «بروباغندا» تتشدق بها وسائل الإعلام الرسمية وشبه الرسمية للنظام السوري، ما دام هناك قسم كبير من السوريين المقتنعين تماما بهاً، رغم تفاهتها، بل على الأرجح أنّهم سيكونون مقتنعين بكل ما تقوله، مهما بدا عبثياً وساذجاً. يعني ذلك أنّ وسائل الإعلام السورية لا تكذب من باب خلط الحابل بالنابل، وخلق حالة من التشويش وحسب، بل أيضاً ـــــ وهو الأهم في هذا السياق ـــــ إنّها تقول ما سيصدقه قسم من الناس، وربما ما قد تبنوه في ما بينهم، قبل أن تبدأ هي نفسها بالترويج له. قد تكون التجربة المعيشة هي الأفضل، للدلالة على واقع الفصام الذي يعيشه السوريون من الاكتفاء بتناول التناقض بين وسائل الإعلام. تتكل تلك التجربة على «شهود العيان». ليس شهود العيان الذين نراهم على الفضائيات، بل أصدقائي ومعارفي من مدن سورية مختلفة (حمص، اللاذقية، جسر الشغور، حلب ودمشق وغيرها) ومتنوعة، تناسب حياتي في مدن سوريا مختلفة، قبل مغادرتها منذ عدة سنوات. لا أنكر صدمتي عند سماع القصص التي يروونها لما يحصل ف...

تونس: مبدأ الأمل

 هذه هي مصر تنتفض بعد تونس. لا أحد يعرف ما الذي ستؤول إليه انتفاضة مصر (على الأقل حتى هذه اللحظات التي أكتب فيها). كذلك فإن من غير الواضح إلى الآن النتيجة التي ستؤول إليها أوضاع تونس، لكن على أي حال، من المؤكد أن ما بعد الانتفاضتين غير ما قبلهما، وأن الشعبين العربيين في تونس ومصر حقّقا إنجازات لا يمكن أيّ سلطة قادمة تجاوزها أو تغييبها. ها قد أصبح العرب يتحدّثون، يصرخون ويغيّرون عالمهم، يدوسون بأقدامهم كل الصور النمطية التي روّجت حولهم، وما تتضمنه من أحكام «ثقافية» و«استشراقية» تسلبهم إنسانيتهم وقدرتهم على الفعل والانتفاض لكرامتهم قبل جوعهم. صور اختزلتهم في هويات ثابتة، تجعلهم يبدون كصور فوتوكوبية بعضهم عن بعض، هوية مختزلة في إسلام أحادي البعد (تتناسى ثراء الإسلام وحضارته وثوريته) مشوه وفقير، يبدون جوعى ويموتون بلا ثمن، يهانون بلا إحساس لكرامة ولا جرأة على الرد. اليوم أثبت العرب بطلان كل هذه الصور المختزلة عنهم. تونس أطلقت الشرارة الأولى، ولهذا فمن المهم أن ننظر إلى دروس تونس للعرب جميعاً، وما الذي أطاحته من عالمنا هذا: ـــــ تونس الأمل: أهمّ ما أعطته تونس للعرب هو الأمل والثقة بقدر...

هزيمة الربيع

 قبل 2010 كانت استبداد النظام العربي مهيمن، والشعوب العربية مجبرة على الصمت والخضوع. واقتصرت بؤر الاحتجاج السياسي (فيما عدا احتجاجات نقابية ومعيشية) على مجموعات صغيرة من نشطاء حقوق الإنسان ومبادارات إصلاحية. اقتصرت السياسة، وقتها، على سياسات الأنظمة، السياسات الخارجية القائمة على التنافس وتوسيع النفوذ الخاص بكل نظام، صراع العروش. محور الممانعة في مواجهة محور الاعتدال. ورغم هذا التنافس والنزاع، فقد بقي التنسيق والتعاون الأمني بين هذه الأنظمة بأفضل حالاته. اجتماعات وزارات الداخلية والتعاون بين أجهزة الأمن كانت التعبير الوحيد والحقيقي عن التضامن العربي، تضامن النظام العربي. أما الشعب لم يكن معطى سياسي. لم يكن هناك علاقة بين السياسة والحرية. ثورية وجذرية الربيع العربي، لحظته الأولى، الحقيقية تجلت في كسره لنظام السياسة هذا. مواجهة الاستبداد والرغبة بالحرية وفتح السياسة للشعب، "الشعب يريد ...." التعبير الأمثل عن هذه الجذرية. وفي مواجهة الربيع العربي وقتها، توحدت الأنظمة - وبمعزل عن تحالفاتها ومحاورها. وحتى ما بدا استثناء، قطر، فإنه انتهى سريعاً عندما وصلت بوادر الربيع الأولى إلى ال...

في فهم الطائفية

  ينطلق الفهم (العامي) الأكثر شيوعاً للمسألة الطائفية من بداهة وجود جماعات واضحة ومحددة هي الطوائف، الجماعات التي نحيا فيها وننتمي إليها. بدوره، يحدد هذا الانتماء موقعنا سواء بالنسبة إلى الدولة أو إلى الجماعات (الطوائف) الأخرى. قد تتعايش الطوائف مع بعضها أو قد تتصارع فيما بينها، كما قد تتغير تحالفاتها مع الوقت، غير أن الأساسي والراسخ هو الجماعة والانتماء إليها، فالطائفة هي الانتماء الأولي الذي ننطلق منه. وفي المشرق ينتظم البشر في طوائف، وكل ما عداها ليس إلا هويات فوقية ليست راسخة أو أصيلة، سواء كانت هوية وطنية أو قومية أو طبقية. تعرض هذا الفهم العامي لنقد واسع ومتعدد المصادر، فقد أُخذت عليه جوهرانيته ولاتاريخيته ومجافاته للوقائع التاريخية. فسعى النقد الماركسي إلى تقديم تفسيرات مغايرة للوعي الطائفي وللطوائف كوقائع اجتماعية. فكانت، مثلاً، محاولة ربط الطائفة بطريقة ما بالطبقة، وبالتالي اكتشاف بعد طبقي مخفي داخل الصراع الطائفي. وقد سمح وجود طوائف مهمشة من قبل النظام الاجتماعي - السياسي بالادعاء أن هذه الطوائف لها وضعية شبيهة بالطبقة داخل هذا النظام (طائفة - طبقة). من جانب آخر نُظر إلى ...

وجها الناصرية

إن أي نقاش حول الناصرية وإرثها يفتح الباب لمنازعات وسجالات سياسية عديدة، فالناصرية لم تُحال بعد إلى التاريخ بوصفها ظاهرة انقضت، فهي ما تزال حاضرة عبر إرثها الصريح ممثلاً بالدولة المصرية المعاصرة أو ضمناً عبر الدول العربية الأخرى التي اعتمدت استراتيجيات ناصرية بطريقة أو بأخرى. بل إن استعادة الدعاية الناصرية في صراعات الدولة المصرية المعاصرة يسمح بمساءلة الدعاية الشائعة عن انقطاع الناصرية عبر انقلاب السادات عليها. للناصرية وجهان حاضران وبقوة، وهما لا يقتصران عليها بل نشهدهما وبدرجات متفاوتة في كل تجارب السلطويات الشعبوية التي سادت في الوطن العربي في منتصف القرن الماضي. الوجه الأول هو التقدمي المرتبط بتوسيع الحقوق الاجتماعية والاقتصادية وتعزيز المساواة وتحسين شروط حياة الطبقات الأكثر بؤساً وخاصة الفلاحين وتشكيل طبقة وسطى واسعة عبر توسيع التعليم والتوظيف. الوجه الآخر هو الاستبداد والقمع واحتكار السلطة لشخص الزعيم اولاً ولاحقاً للجيش والأمن وتأسيس دولة الجيش، أو دولة الأمن القومي، وما ترتب على هذا (أو رافقه) من هزائم مستمرة تعرضت لها الناصرية في حروبها. الناصرية قدمت وجهين، تقدمي على المستو...