Posts

لماذا ماركس؟ أو ماركس النبي

بمناسبة الذكرى المئوية الثانية لميلاده يُستعاد ماركس عبر العديد من الأسئلة التي تتناوله. مجموعتان من الأسئلة التي كثيراً ما تُطرح تستحقان الاهتمام بشكل خاص. المجموعة الأولى تتمحور حول راهنية ماركس لعصرنا وخاصة في ظل الأزمات الاقتصادية التي تشهدها الرأسمالية. راهنية ماركس، لدى العديد من الذين يتصدون للإجابة، تتجلى في تنبوئه بهذه الأزمات التي تصيب الرأسمالية، فمع كل أزمة سنقرأ أن ماركس سبق وتنبأ بهذا. المجموعة الثانية من الأسئلة تدور حول العلاقة بين ماركس وفكره من ناحية وتجارب الاشتراكية الواقعية التي شهدها القرن العشرين من ناحية أخرى. فيما يتعلق بالنقاشات المرتبطة براهنية ماركس فإنه من النادر أن يتطرق النقاش وبعمق إلى فهم ماركس للرأسمالية وتحليله إياها، بل عادة ما يبقى التحليل على السطح مرتبطاً بالتناول السياسي لقضايا محددة، من عدم استقرار النظام الرأسمالي وإمكانية انهياره والأزمات التي يشهدها. الملفت أن تحليل ماركس لأزمات النظام الرأسمالي، مثلاً، يدور أساساً حول أزمات منشؤها قطاع الإنتاج. بينما الأزمات التي نشهدها في الفترات الأخيرة فقد نشأت عن القطاع المالي وأدواته وليس عن قطاع الإنتا...

لاعقلانية الإيديولوجيا العربية

لا يزال نقد ياسين الحافظ للايديولوجيا العربية المعاصرة شديد الراهنية برغم العقود التي مضت عليه. يركز الحافظ على نقد لاعقلانية الأيديولوجيا العربية بشتى نسخها، لا تختلف التقدمية عن المحافظة في هذا الشأن. حتى وإن تخلينا عن تصور الحافظ التاريخاني للعقلانية الذي يربطها بالنموذج المتحقق في مجتمعات العالم الأول، فإن حد أدنى من العقلانية يبقى مطلوباً ويتمثل بالاتساق المنطقي ووجود معايير دنيا تسمح بالتحقق من صلاحية إدعاءاتنا ومخططاتنا. فلا إمكانية للحديث عن العقلانية بغياب اتساق الأفكار فيما بينها وبغياب طريقة ما للتحقق من كون الأفكار صحيحة وقادرة على تحقيق أهدافها أم لا. فعندما يتقدم سياسي بمشروع، فإن هذين الشرطين هما أول ما يجب عليه تحقيقهما. أن يكون الشروع متسق في مقدماته واستنتاجاته، وأن يضع أهداف محددة، تمكننا لاحقاً من تقييم المشروع، إن أصاب أو أخطاً. تبقى الأيديولوجيات العربية المعاصرة مفتقرة لهذا الحد الأدنى من العقلانية، فهي لا تحقق أي من هذين الشرطين : الاتساق وإمكانية التحقق. على العكس تبدي الأيديولوجيات العربية المعاصرة مهارة كبيرة في التحايل على هذه الشروط المفترضة في أي نقاش عقلا...

في نقد الهزيمة

لم تقتصر الذكرى الخمسين لهزيمة حزيران على استعادة أحداثها وحسب، بل ترافقت أيضاً مع استعادة أدبيات نقد الهزيمة، النقد الذي انتشر بشكل واسع بعد الهزيمة. لكن هذه الاستعادة أتت تحت مبضع "نقد الثقافوية"، وهو نقد يصدر عن مشارب إيديولوجية متباينة. يقدم "نقد الثقافوية" منقوده، أدبيات نقد الهزيمة باعتبارها نقداً للثقافة، بصورة تبدو كاريكاتورية ومصطنعة لحد بعيد. تظهر الثقافة في أدبيات نقد الهزيمة، وبحسب نقاده، أقرب ما تكون إلى البيولوجيا، غير تاريخية وثابتة برغم الزمن وتحكمنا بحتميتها. ربما تصدق هذه النظرة على البعض إلى هذا الحد أو ذاك، لكنها عموماً مجافية وبشدة لحال هذا "النقد"، الذي صدر في غالبيته عن ماركسيين وتقدميين، يحملون نظرة مادية وتاريخية للثقافة كما لدى ياسين الحافظ وصادق جلال العظم ومحمد عابد الجابري وغيرهم. يُشار، مثلاً، إلى أن نقد الهزيمة نقل الهزيمة من "هزيمة عسكرية" إلى هزيمة حضارية، متغافلاً عن التحليل العسكري والسياسي والتاريخي المرافق للهزيمة. فالحافظ، مثلاً، رأى في هزيمة حزيران كشف حساب للمجتمع بأكمله؛ حيث أنها لم تكن مجرد هزيمة عادية أم...

في الحاجة إلى "السياسي"

دفع ثوار الربيع العربي ثمناً غالياً لابتعادهم عن السياسة، فلم ينظموا أنفسهم وارتهنوا للدولة العميقة والنخبة السياسية القديمة، التي نجحت بإعادة إنتاج نفسها مرة أخرى. في الحالة السورية تبدو الحال أشد مأساوية مع الحرب الأهلية التي يخوضها السوريون ضد واحد من أكثر الأنظمة وحشية وإجرام. فلم تظهر القوى السياسية السورية في هذا الصراع أية قدرة وذكاء سياسيين، بل أبدت عجزاً عاماً في كل شيء تقريباً من المفاوضات إلى إدارة المناطق المحررة إلى توحيد القوى العسكرية وتقديم برنامج سياسي لإدارة المعركة مع النظام. إهمال مركزية السياسي هو ما ميز الثورات العربية وفشلها. ليس المقصود بالحديث عن "السياسي" التطرق إلى التكتيكات والتحالفات التي يقوم بها السياسيون أو تقديم مقارنة بين برامج الأحزاب السياسية المختلفة، بل يدور حول "السياسي" نفسه، بوصفه مجال مستقل بذاته ولا يمكن رده إلى مجالات أخرى باعتبارها أكثر أساسية أو أهمية من السياسي. ما افتقدناه في اللحظة الثورية ليس السياسيين، أولئك الذين يسعون لتصدر المنابر والوقوف أمام الكاميرات، بل "السياسي" القادر على تحديد طبيعة الصراع والتنا...

بين هوبز والسياسة الشرعية

يتعرض الاستدعاء المعاصر للسياسة الشرعية لنقد محق، ينطلق من مناهضته للديمقراطية وإسهامه في ترسيخ الاستبداد باعتباره "فقه الطاعة". غير أنه يمكن تقديم قراءة أخرى للسياسة الشرعية عبر مقارنتها مع الفكر السياسي لتوماس هوبز، بما يفيد بموضعة الإشكالية التي فكر بها منظرو السياسة الشرعية في سياقها التاريخي، بما يكشف عن حدود استخدامها الراهنة والممكنة من جهة، ويبين أصالتها وإدراكها للمعضلة التي واجهتها من جهة أخرى. ينطلق هوبز في بنيانه السياسي من تصور للوضع الطبيعي يتمثل في حرب الجميع ضد الجميع، والذي لم يكن سوى انعكاس للحروب (الحرب الأهلية الانكليزية والحروب الدينية في أوروبا) التي عاصرها هوبز وقتها. بهدف إنهاء الحرب وتحقيق السلام تعاقد البشر فيما بينهم، متخليين عن حرياتهم للدولة مقابل ضمانها الأمن. التخلي عن الحرية يعني التسليم بالسيطرة التامة للدولة-الوحش (الليفيتان) على رعيتها وهي سيطرة مرهونة بتحقيق وظيفتها الأساسية والمتمثلة بمنع الحرب الأهلية. إن السلطة المطلقة التي يحوزها الحاكم هي نتاج العقد الاجتماعي، والذي بحسبه يتخلى المواطنون عن حرياتهم العامة مقابل الأمان والخروج من حالة ا...

أيديولوجيا التحديث والطريق إلى الجحيم

من الصعب علينا اليوم ألا نرى الدور الكارثي لاستبداد الدولة العربية الحديثة فيما حاق بالمجتمعات العربية، بل وحتى المساهمة في دفعها إلى الاحتراب الأهلي كما في سوريا والعراق وليبيا. يمكن أن نعزو هذا إلى نشأة الدولة العربية الحديثة كامتداد للإدارة الاستعمارية التي سعت إلى إخضاع السكان المحليين وقمعهم، أو إلى الإرث السلطاني (المملوكي) في العلاقة مع المجتمعات المحلية كمصدر للثروة، أو إلى التداخل الذي حصل لاحقاً بين الدولة والعصبيات المحلية والتي استخدمت الدولة كأداة في نزاعاتها. من الممكن تقديم تفسيرات "اجتماعية" لقوة الدولة والعلاقة التسلطية التي جمعتها مع مجتمعها، لكن المهم هنا هو "تبرير" هذه العلاقة عبر النظر إلى بعدها الإيديولوجي، فالدولة لم تُخضع مجتمعها وتتحكم به دونما أيديولوجيا تشرع عملية الاخضاع والضبط، والتي يمكن أن نسميها أيديولوجيا التحديث بوصفها التعبير التاريخي لإيديولوجيا الدولة والناظمة للعلاقة مع المجتمع، والتي بدأت مع حقبة الإصلاحات، إلى الإدارة الاستعمارية وصولاً إلى الذروة مع حركات التحرر الوطني ومناهضة الاستعمار. تقوم الفكرة الأساسية لإيديولوجيا التحد...

اليسار: تقاليد متباينة

 هورست مالر أحد الأسماء البارزة في انتفاضة 1968 في ألمانيا وكان حينها محامي الطلبة الثوريين، كما كان عضواً في الجيش الأحمر الألماني وسُجن لسنوات. لاحقاً أصبح مالر أحد الأسماء اللامعة في التيار القومي المتطرف الألماني (النازيون الجدد) وليسجن مرة أخرى ولكن كنازي هذه المرة. مالر ليس وحيداً ولا استثناء في تاريخ اليسار الألماني. لم يرَ مالر في مواقفه اللاحقة قطيعة مع تاريخه، على العكس فإنه يدافع عن فكرة الاستمرار، استمرار لفكرة أساسية وإنْ اختلفت تعبيراتها خلال هذه السنوات، وهي الدفاع عن الشعب في مواجهة الإمبريالية والرأسمالية الأمريكية.  تجربة مالر مهمة للنظر في السؤال التالي، هل اليسار تقليد أم تقاليد متباينة قد تتداخل في ظرف تاريخي محدد؟ لنضع المسالة على الشكل التالي: أهم ما يحتج به اليسار على الرأسمالية هو نزعتها الفردانية البرجوازية ويستدعي في المقابل فكرة "الجماعة" باعتبارها حيزاً لا يمكن اختزاله للأفراد وخياراتهم القائمة على مصالحهم الخاصة واتفاقاتهم المؤسسة عليها. الجماعة ليست مجرد امتداد للسوق حيث يلتقي الأفراد ويتعاقدون فيما بينهم، فالإنسان ليس محض فرد.  شكل الاتكاءُ...