Posts

اللانهاية ومفارقاتها

Bild
  يسأل زينون الإيلائي إذا كان بمقدور أخيل، العداء السريع، أن يلحق بسلحفاة تسبقه. ليلحق أخيل بالسلحفاة عليه أن يصل أولاً إلى مكانها في هذه اللحظة ولتكن ت1، ولكن السلحفاة ستكون قطعت شوطاً إلى مكان آخرفعليه أن يصله في ت2، ولكن السلحفاة ستكون قطعت مسافة أخرى، حتى لو كانت أصغر، فعليه أن يلحقها في ت3. وهكذا تباعاً، فكلما يصل لنقطة سبق للسلحفاة وكانت فيها، سيجد أنها تجاوزتها ولو بمسافة تقل بشكل مستمر، لكنها تبقى موجودة طالما أننا يمكن أن نعد بشكل لا نهائي هذه النقط التي يصل إليها أخيل في اقترابه من السلحفاة. فأخيل يقترب من السلحفاة ولكنه لا يصل إليها أبدا.هذه واحدة من تناقضات زينون المستندة إلى اللانهاية، الفكرة التي خشيها اليونان وقتها لما تسببه من تناقضات. ميز أرسطو بين مفهومين للانهاية، الأول هو اللانهاية الفعلية (actual infinity)، القبول بوجود واقعي للانهاية، مثل القبول بوجود واقعي للمجموعات اللانهائية مثل الأعداد الطبيعية. والمفهوم الآخر هو اللانهاية المحتملة (potential infinity) وهي التي تقوم على افتراض عد أو تقسيم متواصل ضمناً وليس واقعاً، كأن نستمر بإضافة واحد إلى مالانهاية،. رفض ...

فلسفة الرياضيات: الأسئلة والمدراس الأساسية

  الرياضيات هي اللغة التي كتب الله بها الكون. – غاليليو بالتأكيد سبق وأن لاحظ كلٌّ منا أشياءً عديدةً تميز الرياضيات عن غيرها من العلوم، بدءً من عدد الساعات المخصصة لها في المدارس والتي تتجاوز تلك المخصصة لغيرها من العلوم بمراحل، وذلك على امتداد سنوات وصولًا إلى المرحلة الثانوية. محورية الرياضيات نشهدها منذ البداية في المدرسة. أيضًا، تمتاز الرياضيات بلزوميتها لكل العلوم الأخرى، فلا يمكن لنا ممارسة الفيزياء والكيمياء، وحتى علوم البيولوجيا والجيولوجيا والاجتماع دون رياضيات. فكل مجال علمي لا يستند وحسب على “قوانينه” الخاصة والكيانات النظرية والمسلمات التي يضعها، بل لا بد له من الرياضيات. ففي الفيزياء مثلًا، لا يُكتفى بالإلكترونات والبروتونات والنيوترونات من أجل بناء نموذج للذرة، بل نحتاج أيضًا إلى الرياضيات- بما في ذلك الكيانات الرياضية- بوصفها، أيضًا، جزءً من نظام المسلمات الذي نعمل على أساسه لتقديم نموذج للذرة. ميزة أخرى تتمتع بها الحقائق الرياضية  مقارنةً بالحقائق الخاصة بالعلوم الأخرى، وهي طبيعتها الضرورية. إن”عدد كواكب المجموعة الشمسية هو ثمانية” لا تبدو حقيقةً ضرورية، فمن ال...

الإسلام السائل

 يعود مفهوم «السيولة» إلى أعمال عالم الاجتماع زيجمونت باومان، وهو معبر جدًا على مستوى الاستعارة للموضوع الذي يناقشه المقال. فالسيولة تشير إلى استعصاء الإمساك بالظاهرة وتحديدها، فهي، لسيولتها، تنجح دومًا في الهرب من بين أصابعنا، فلا نستطيع الإمساك بها وإعطاءها محتوى وشكلًا محددًا، بل تتغير وتتحول دومًا وبحسب الإناء الذي نضعها فيه. السيولة تشير لعدم القدرة على ضبط وتقديم وصف محدد للمحتوى. لكن تفيد أيضًا معنى «الانتشار»، فالسائل ينتشر في كل مكان دون أن يشغل حيزًا واضحًا ومحددًا مثل الجسم الصلب. بالإحالة إلى السيولة كاستعارة، يمكن الحديث عن سيولة الإسلام بوصفها مفارقة في ثلاثة أوجه. لن نختلف في أن الإسلام يتمتع بسطوة هائلة على حياة المسلمين، فغالبية ساحقة ومتزايدة من المسلمين تعلن أن سلوكها واعتقاداتها ومواقفها مشتقة من تعاليم الإسلام وما يفرضه عليها؛ إنها تحيا بحسب ما يمليه الإسلام. الآخرون، من غير المسلمين، يعتمدون بدورهم على الإسلام في تعريفهم لأعداد هائلة من البشر، فهم مسلمون، ولأنهم مسلمون يفعلون هذا وذلك. ربما، تكفي نظرة سريعة إلى أخبار «الجزيرة» ليرى المرء شدة حضور الإسلام باعتب...

سوسيولوجيا الإسلام ومعادلة المعرفة والسلطة

  يمثل كتاب «سوسيولوجيا الإسلام: المعرفة والسلطة والمدنية»، لأرماندو سلفاتوري، وترجمة ربيع وهبة. وقد صدر عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر – بيروت 2017، الجزء الأول من ثلاثية ستصدر تباعًا. يسعى سلفاتوري من خلالها لتقديم سوسيولوجيا الإسلام. لكن وقبل عرض الكتاب سأقدم بعض الملاحظات المتعلقة بالشكل الذي أتى عليه الكتاب. يواجه المرء العديد من المقاطع والعبارات المصاغة بشكل شديد التعقيد، بذريعة أنها تحيل إلى عمليات ودينامية تاريخية معقدة بدورها، إلا أنها تفشل في النهاية في تقديم تصور واضح ومفهوم عما تصفه أو تشرحه، حيث تخفي اللغة المعقدة ضعف المحتوى الذي تقدمه. وهكذا سنقرأ مقاطع عديدة تخبرنا عن عدم قابلية التنبؤ والتفاعل والتقاطع والتداخل والدينامية وكلمات أخرى شبيهة، يضاف لها طبعاً إحالة منتظمة إلى أعمال فوكو وقضايا السلطة والمعرفة، دون أن تخبرنا في النهاية شيئًا مفهومًا وواضحًا بصدد الموضوع المفترض أنها تشرحه لنا. لهذا يقرأ المرء الصفحات الطوال ليخرج بفكرة يمكن شرحها بجملتين، وهو ما يظهر جليًا في القسمين الأولين من العمل والمخصصين لما قبل فترة الإمبراطوريات النارية المبكرة (العثمانية وال...